التحريمة ولا يجهر
بآمين بعد الفاتحة ولا يضع يده على صدره وإن كان ليوتر بواحدة ويصلي ثمان ركعات في
التراويح.
وكان غاية في صفاء الذهن وسرعة الخاطر، وعذوبة التقرير وحسن التحرير، وشرف الطبع وكرم
الأخلاف، وبهاء المنظر وكمال المخبر، وله من الحياء والتواضع ما لا يساويه فيه أحد، ولا يصدق
بذلك إلا من تاخمه وجالسه، فإنه كان لا يعد نفسه إلا كأحد الناس، وهذه خصيصة اختصه الله بها
سبحانه، ومزية شرفه بالتحلي بها، فإن التواضع مع مزيد الشرف أحب من الشرف مع التكبر، ثم له
من حسن الأخلاق أوفر حظ وأجل، قل أن يجد الإنسان مثل حسن خلقه عند أصغر المتعلقين بخدمته.
ومن أعظم ما منحه الله سبحانه أن ألقى في قلبه محبة العلماء الربانيين، والميل إلى معالي الأمور،
ولذلك كان يتطلع إلى أخبارهم ويتبرك بآثارهم، وكان له ميل عظيم ومحبة زائدة بشيخنا الإمام فضل
الرحمن بن أهل الله البكري المراد آبادي، كان يذكره بالخير ويقول: إنه أحد العلماء الربانيين، ليس
له نظير في اتباع السنة السنية والزهد والاستغناء عن الناس، ولذلك استقدمه إلى بهوبال ليبايعه،
فأبى شيخنا الدخول وأرسل إليه عمامته ودعا له بالبركة وحسن الخاتمة، وأوصاه أن يواظب على
الاستغفار، فأخذ السبحة ولازم الاستغفار، حتى أنه كان يشتغل به آناء الليل والنهار، وإني سمعت
ولده أخانا في الله السيد نور الحسن عفا الله عنه كان يقول: إني لما رأيت السبحة بيده أول مرة
عجبت وسألته عن ذلك فأجابني أنه ألزم نفسه الاستغفار منذ أوصاه الشيخ، وتلك كرامة جليلة
صدرت عن أنفاس شيخنا الزكية، فإن أنوار الاستغفار لاحت عليه وازدات حيناً بعد حين حتى قلعت
مكارهه في آخر عمره وغلبت عليه الحالات السنية ثم وثم، حتى أنه وفق بالتوبة عما كان عليه من
سوء الظن بأئمة الفقه والتصوف، وكتب ذلك في آخر مقالات الإحسان ومقامات العرفان وهو ترجمة
فتوح الغيب للشيخ الإمام عبد القادر الجيلي رضي الله عنه وهو آخر مصنفاته، ثم بعثه إلى دار
الطباعة فطبع، ووصل إليه في ليلة توفي إلى رحمة الله سبحانه في تلك الليلة، أخبرني بذلك صاحبه
السيد ذو الفقار أحمد الحسيني المالوي.
وكان محافظاً على الصلوات في الجماعة، يصليها في أوائل أوقاتها، محافظاً على أداء الزكاة في كل
حول، وقد تبلغ زكاة أمواله إلى ألوف كثيرة، مكثراً من الصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ،
محافظاً على الأدعية المأثورة عند أوقاتها، متورعاً في الأموال، قد تخلى عما لا يحل له أخذه أو ما
يشك فيه، دائم البشر، حلو المنطق، مقلاً من الكلام، غير جاف ولا عبوس، كثير الحلم قليل الغضب،
عفيف اللسان لا يقترح لنفسه شيئاً، مشغول الفكر بالمطالعة والتأليف، حتى قد كان في بعض الأحيان
لا يميز بين أنواع الطعام المختلفة، منصفاً يعرف لأقرانه ولكثير ممن يخالفه فضلهم، يقول ولده السيد
علي حسن خان: إنه لا بلغه نعي العلامة عبد الحي بن عبد الحليم اللكهنوي وقد جرت بينهما
مباحثات ومناظرات علمية، وألف كل واحد منهما في الرد على صاحبه كتباً ورسائل وضع يده على
جبهته وأطرق رأسه برهة ثم رفع رأسه وعيناه تدمعان وهو يدعو للشيخ ويسترحم، وقال: اليوم
غربت شمس العلم، وقال: إن اختلافنا كان مقصوراً على تحقيق بعض المسائل، ثم أعلن الصلاة
على الغائب، وكان كثر التعظيم لأهل العلم شديد الاعتناء بجمع الكتب النادرة، ونشر علوم السنة
وكتب السلف، أنفق عليها الأموال الطائلة، فأمر بطبع تفسير ابن كثير مع فتح البيان وفتح الباري
للعلامة ابن حجر العسقلاني، وقد اشترى نسخته من الحديدة وكانت بخط ابن علان وطبعه بمطبعة
بولاق في مصر، وكلف طبعه خمسين ألف ربية، وأهداه إلى أهل العلم والمشتغلين بالحديث في الهند
وخارجها، وقد انتسخ سنن الدارمي عند قفوله من الحج والبحر هائج والسفينة مضطربة.
كان يقوم قبل الفجر فإذا صلى اشتغل بتلاوة القرآن والدعاء والذكر وقراءة جزء من الحصن
الحصين للجزري، حتى إذا ارتفعت الشمس اشتغل بسماع أخبار الإمارة وطلبات رجال الإدارة
ساعة، ثم يقبل إلى التأليف ومطالعة الكتب من غير أن يضيع دقيقة حتى ينتصف النهار ويدخل
الظهر، فيتغدى ويقيل ساعة ثم يصلي الظهر، ويشتغل إلى المغرب بالأمور الإدارية،