محبته فقربته إلى نفسها، وكانت أيماً، مات زوجها النواب باقي محمد خان قبل سنوات وقد اقترحت
عليها الحكومة الإنجليزية بالزواج ليكون زوجها بجوارها ليساعدها في شؤون الحكومة والإدارة،
فتزوجت به لما علمت من شرف نسبه وغزارة علمه واستقامة سيرته سنة سبع وثمانين ومائتين
وألف، وجعلته معتمد المهام سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف، ومنحته أقطاعاً من الأرض الخراجية
تغل له خمسين ألف ربية في كل سنة، وخلعت عليه ولقبته الدولة البريطانية الحاكمة بالهند لعشر
خلون من شعبان سنة تسع وثمانين ومائتين وألف نواب والا جاه أمير الملك سيد محمد صديق حسن
خان بهادر ومنحته حق التعظيم في أرض الهند بطولها وعرضها باطلاق المدافع سبع عشرة طلقة،
وخلعت عليه بالخلع الفاخرة، ومنحه السلطان عبد الحميد خان في سنة خمس وتسعين ومائتين وألف
الوسام المجيدي من الدرجة الثانية.
وكان في أحسن حال ورخاء بال، مشتغلاً بالعلم والمطالعة مكباً على التأليف والتصنيف جامعاً بين
الرئاستين العلمية والعملية، إذ حدث ما أزعج باله وشغل خاطره فقد وشيت له سعايات، ودبرت عليه
مؤامرات، واحتقد عليه وكيل الحكومة الإنجليزية لدى الإمارات الهندية، فاتهمه بأنه حرض في بعض
مؤلفاته على الجهاد، وأنه مشمر عن ساق الجد والاجتهاد في نشر المذهب الوهابي في الهند، وهو
مذهب اتهم أصحابه بالخروج على الحكومة الإنجليزية، وعرفوا بنزعتهم إلى الجهاد، واعترض عليه
بأنه ألزم شاهجهان بيكم ملكة بهوبال الحجاب الشرعي ليستبد بأمور الحكومة ويطلق يده فيها، وغير
ذلك من التهم، فانتزعت منه ألقاب الإمارة والشرف التي منحته إياها الحكومة الإنجليزية، وألغي
الأمر باطلاق المدافع تعظيماً وكان ذلك في الرابع عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة وألف، ثم
منع في العام القابل من التدخل إلى إدارة الحكومة ونظمها، وتنكرت له الوجوه، وشمت به الأعداء
وهو صابر محتسب، وزوجته أميرة البلاد ثابتة على الإخلاص والوداد، والوفاء والاتحاد، تبذل
جهدها في نفي هذه التهم، وإزالة هذه المحنة، وكان في ذلك إذ اعتراه مرض الاستسقاء ونفذ فيه
قضاء الله، وردت إليه الحكومة لقب الإمارة نوبا في سلخ ذي الحجة سنة سبع وثلاثمائة وألف وقد
فارق الدنيا ولقي الرفيق الأعلى.
اشتد به المرض وأعياه العلاج واعتراه الذهول والإغماء، وكانت أنامله تتحرك كأنه مشغول
بالكتابة، ولما كان سلخ جمادى الآخرة في سنة سبع وثلاثمائة وألف أفاق قليلاً، فسأل صاحبه الشيخ
ذا الفقار أحمد المالوي عن كتابة مقالات الإحسان وهو تأليفه الأخير الذي ترجم فيه فتوح الغيب
لسيدنا عبد القادر الجيلي هل صدر من المطبعة؟ فقال: إنه على وشك الصدور، ولعله يصل في يوم
وليلة، فحمد الله على ذلك وقال: إنه آخر يوم من الشهر، وهو آخر كتاب من مؤلفاتنا، فلما كان
نصف الليل فاضت على لسانه كلمة أحب لقاء الله قالها مرة أو مرتين، وطلب الماء واحتضر
وفاضت نفسه، وكان ذلك في ليلة التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثمائة وألف، وله
من العمر تسع وخمسون سنة وثلاثة أشهر وستة أيام، وشيعت جنازته في جمع حاشد، وصلى عليه
ثلاث مرات، وقد صدر الأمر من الحكومة الانجليزية أن يشيع ويدفن بتشريف لائق بالأمراء وأعيان
الدولة كما كان لو بقيت له الألقاب الملوكية والمراسيم الأميرية، ولكنه كان قد أوصى بأن يدفن على
طريقة السنة، فنفذت وصيته.
وكان مع اشتغاله بمهمات الدولة كثير الاشتغال بمطالعة الكتب وكتابة الصحف وجمع ما لا تنحصر
بحد وعد.
وله مصنفات كثيرة ومؤلفات شهيرة في التفسير والحديث والفقه والأصول والتاريخ والأدب قلما
يتفق مثلها لأحد من العلماء، وكان سريع الكتابة حلو الخط، يكتب كراستين في مجلس واحد بخط
خفي في ورق عال، ولكنه لا تخلو تأليفاته عن أشياء، إما تلخيص أو تجريد، أو نقل من لسان إلى
لسان آخر، وكان كثير النقل عن القاضي الشوكاني وابن القيم وشيخه ابن تيمية الحراني وأمثالهم،
شديد التمسك بمختاراتهم، وكان له سوء ظن بأئمة الفقه والتصوف جداً، لا سيما أبي حنيفة، والعجب
أنه كان يصلي على طريقة الأحناف فلا يرفع الأيدي في المواضع غير تكبير