أن صدقة الفطر نصف صاع من الحنطة غير ما روي عنه من التعديل المذكور في كفارة اليمين، وكذا روي ذلك عن أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان - رضي الله عنهما -، على ما يجيء جميع ذلك عن قريب في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
قوله: "فدل ذلك على أنهم هم المعدلون" أي: فدل ما ذكرنا من تعديل عمر وعلي، وإخراج عمر وعثمان وأبي بكر الصديق - رضي الله عنهم - صدقة الفطر من القمح نصف صاع، على أن هؤلاء هم المعدلون من الحنطة بنصف صاع نظير الصاع من الشعير والتمر، وأنهم لم يكونوا فعلوا ذلك إلا بمشورة من أصحاب النبي - عليه السلام - من غير إنكار أحد منهم، فصار ذلك إجماعًا منهم على ذلك، فلو لم يكن المرويّ في مقدار ما يخرج من الحنطة لأجل الفطرة إلا هذا التعديل من هؤلاء الصحابة؛ لكان ذلك كافيًا في الاحتجاج؛ لأن الإجماع من أقوى الحجج، أشار إلى ذلك بقوله: لكان ذلك عندنا حجة عظيمة، فكيف وقد روي مع هذا التعديل المنقول عنهم والتصريح بأن بعضهم كانوا يخرجون نصف صاع من الحنطة، عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها -: "أنها كانت تخرج نصف صاع من الحنطة على عهد النبي - عليه السلام -".
فاجتمع في ذلك ما فُعل في عهد النبي، وما نقل من التعديل عن بعض الصحابة، وما روي عن بعضهم بما ذكرنا أيضًا، وما حكي من اجتماعهم على ذلك، فصار حجةً قويةً لا مساغ للخلاف فيها.
ثم اعلم أن ما وقع في رواية مالك بن أنس من لفظة: "من المسلمين" تكلم العلماء فيه.
قال الشيخ في "الإِمام": وقد اشتهرت هذه اللفظة من رواية مالك حتى قيل: إنه تفرد بها.
قال أبو قلابة عبد الملك بن محمَّد: ليس أحد يقول فيه: "من المسلمين" غير مالك.
وقال الترمذي بعد تخريجه له: زاد فيه مالك "من المسلمين"، وقد رواه غير واحد عن نافع فلم يقولوا فيه: "من المسلمين". انتهى.