لتناوله، وإنما تنبسط النفوس الطاهرة لتناول طعام غير قذر، ولا موقع في تهلكة، فالقذر ينفر منه الطبع، والموقع في ضرر ينبذه العقل.

فيحمل قوله تعالى: {طَيِّبًا} على أنه مقرر ومؤكد لمعنى يستفاد من قوله. {حَلَالًا}، وهو طهارة المطعوم، وخلوه من القذارة، وعدم إيقاعه في ضرر.

والمعنى: يباح لكم أن كلوا من كل ما تحويه الأرض من المطعومات حالَ كون ما تأكلون منه حلالاً طيباً.

وليس من الورع، ولا الزهد المرضي عنه شرعاً تركُ بعض المباحات؛ فإن الله سوّى فيها بين الفعل والترك. ومن يجعل تركها من الورع، والورع مندوب، كأنه يقول: إن الترك راجح على الفعل. وكان الحسن البصري، وهو من أجل التابعين، يقوِّم عِوَجَ من يعدُّون في الزهد المحمود الامتناعَ من تناول بعض المباحات؛ كالأطعمة الفاخرة. دخل عليه أحد زهاد البصرة، فقال له الحسن: أتحب الخبيص "طعام لذيذ"؟ قال: لا أحبه، ولا أحب من يحبه، فأقبل الحسن على جلسائه، وقال لهم: أترونه مجنوناً؟!.

فلا ورع في ترك المباح من حيث إن فيه متعة للنفس، فذلك هو التنطُّع في الدين، وإنما الورع في ترك الإكثار من تناول مباحات؛ حذراً من أن يفضي الإكثار منها إلى بطر النفس، أو يدفعه سلطان التعود عليها إلى اكتساب المال، ولو من طريق فيه شبهة.

{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}:

الخطوات: جمع خطوة، وهي في الأصل: ما بين القدمين عند المشي. وتستعمل على وجه المجاز في الآثار. فالمعنى: لا تتبعوا آثار الشيطان،

طور بواسطة نورين ميديا © 2015