• ثالثًا: المعقول: قال أبو المعالي الجويني: "إن أمور معظم الدين تتعلق بالأئمة، فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر فلا شك في ارتباطه بالإمام، وأما ما عداه من أحكام الشرع فقد يتعلق به من جهة انتدابه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو لم يكن الإمام مستقلًّا بعلم الشريعة لاحتاج إلى مراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع، وذلك يشتت رأيه، ويخرجه عن رتبة الاستقلال.
ولو قيل: إنه يُراجع المفتي مراجعة آحاد الناس المفتين. لكان ذلك محالًا، فإن الوقائع التي تُرفع إلى الإمام في الخطوب الجسام، والأمور العظام، لا تتناهى كثرة؛ إذ هو شرف العالمين، ومطمح أعين المسلمين، وقد لا يجد عند رفع واقعة إليه أعلم علماء القطر والناحية، فيتردد ويتبلد، ويبطل أثره في منصب الاستقلال، ولو جاز ذلك لساغ أن لا يكون الإمام ذا كفاية واستقلال، ثم يراجع الكفاءة، ويستشير ذوي الأحلام والدهاة، وهذا لا قائل به.
فإذا كانت الإمامة زعامة الدين والدنيا، ووجب استقلاله بنفسه في تدبير الأمور الدنيوية، فكذلك يجب استقلاله بنفسه في الأمور الدينية، فإن أمور الدنيا على مراسم الشريعة تجري، فهي المتتبع والإمام في جميع مجال الأحكام، فالكفاية المرعية معناها الاستقلال ببداية الأصوب شرعًا في الأمور المنوطة بالإمام.
فإن قيل: كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا وقعت واقعة، وألمت به ملمة، اشتوروا ولم يأنفوا من المراجعة والمرادة، فأشعر ذلك من عادتهم بأن استقلال الإمام ليس شرطًا في الإمامة.
قلنا: الخبر المشار إليه، والإمام المتفق عليه، ومن هو البحر الذي لا ينزف لا يبعد منه أن يستشير في آحاد الوقائع، ويستمد من نتائج القرائح، ويبحث في محادثة أطراف الكلام عن مآخذ الأحكام؟ !
كيف وقد ندب اللَّه رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى الاستشارة فقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (?)، ولا منافاة بين بلوغ المرتبة العليا في العلوم، وبين التناظر