الدالة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
ولا يصح أن يقال: إنما أريد العلم لأن فى هذا صرفاً لألفاظ الشارع عن موضوعاتها المفهومة السابقة إلى الأفهام، إذ كان يستحيل تقديرها على الموضوع، ولا استحالة فى كونه سميعاً بصيراً، بل يجب أن يكون كذلك.
وقد يقال: إن وجه استحالته أنه إن كان سمعه وبصره حادثين كان محلاً للحوادث، وهو محال، وإن كانا قديمين فكيف يسمع صوتاً معدوماً وكيف يرى العالم فى الأزل، والعالم معدوم، والمعدوم لا يرى؟
قيل: فالله يعلم الآن أن العالم كان موجوداً قبل هذا، فكيف علم فى الأزل أنه يكون موجوداً، وهو بعد لم يكن موجوداً؟ فإن جاز إثبات صفة تكون عند وجود العالم، علماً بأنه كائن، وفعله بأنه سيكون، وبعده بأنه كان، وقبله بأنه سيكون، وهو لايتغير عبر عنه بالعلم والعلمية، جاز ذلك فى السمع والسمعية والبصر والبصرية.
وأما عقلا، فمن المعلوم أن الخالق أكمل من المخلوق، ومعلوم أن البصير أكمل ممن لا يبصر، والسميع أكمل ممن لا يسمع، فيستحيل أن نثبت وصف الكمال للمخلوق ولا نثبته للخالق.
ولا يلزم عن هذا الإدراك الحاصل بالشم والذوق واللمس، على أن فقدها نقصان ووجودها كمال فى الإدراك، والمحققون يصرحون بإثبات أنواع الإدراكات مع السمع والبصر والعلم، الذى هو كمال فى الإدراك، دون الأسباب التى هى مقترنة بها فى العادة من المماسة والملاقاة، فإن ذلك محال على الله تعالى.
وأنه تعالى متكلم، وعلى هذا إجماع المسلمين. وبرهانه أن الإنسان يسمى متكلماً باعتبارين أحدهما بالصوت والحرف، والآخر بكلام النفس الذى ليس بصوت وحرف، وذلك كمال، وهو فى حق الله تعالى غير محال، ولا هو دال على الحدوث، فكلام الله تعالى صفة قديمة قائمة بذاته.