وهو حقيقة المعنى من غير التفات إلى محله ومتعلقه.

وقوله تعالى: {لَنْ تَرَانِي} إنما هو دليل على عدم معرفة موسى - عليه السلام - الله لوقوع وقت ما هو جائز فى نفسه، والأنبياء عليهم السلام لا يعرفون من الغيب إلا ما عرفوا.

وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}، أى لا تحيط به ولا تكتنفه من جوانبه كما تحيط الرؤية بالأجسام.

أنه تعالى واحد، وكونه تعالى واحداً يرجع إلى ثبوت ذاته ونفى غيره. والواحد قد يطلب ويراد به أنه لا يقبل القسمة؛ أى لا كمية له ولا جزء ولا مقدار، والبارى تعالى واحد بمعنى سلب الكمية المصححة للقسمة عنه، فإنه غير قابل للانقسام إذ الانقسام لما له كمية، والتقسيم تصرف فى كمية بالتفريق والتصغير، وما لا كمية له لا يتصور انقسامه.

وقد يطلق ويراد أنه لا نظير له فى رتبته، فهو تعالى لا ند له، فأما أنه لا ضد له فظاهر إذ المفهوم من الضد هو الذى يتعاقب مع الشئ على محل واحد، ولا تجامع، وما لا محل له فلا ضد له، والبارى سبحانه لا محل له فلا ضد له.

ومعنى أنه لا ند له تعالى أن ما سواه هو خالقه لا غير، إذ لو قدر له شريك لكان مثله فى كل الوجوه أو أرفع منه أو كان دونه، وكل ذلك محال، فالمفضى إليه محال.

ووجه استحالة كونه مثله من كل وجه أن كل اثنين هما متغايران، فإن لم يكن تغاير لم تكن الاثنينية معقولة، فإنا لا نعقل سواءين إلا فى محلين أو فى محل واحد فى وقتين، فيكون أحدهما مفارقاً للآخر ومبايناً له ومغايراً، إما فى المحل وإما فى الوقت. والشيئان تارة يتغايران بتغاير الحد والحقيقة، كتغاير الحركة واللون، فإنهما وإن اجتمعا فى محل واحد فى وقت واحد فهما اثنان، إذ أحدهما مغاير للآخر بحقيقته، فإن استوى اثنان فى الحقيقة والحد، كالسواءين فيكون الفرق بينهما إما فى المحل أو فى الزمان، فإن فرض سواءان مثلاً فى جوهر واحد فى محال واحدة كان محالاً، إذ لم تعرف

طور بواسطة نورين ميديا © 2015