للعرش إليه نسبة إلا بكونه معلوماً أو مراداً، أو مقدوراً عليه، أو محلاً مثل محل العرض، أو مكاناً مثل مستقر الجسم. ولكن بعض هذه النسبة يستحيل عقلاً وبعضها لا يصلح اللفظ للاستعارة به له، فإن كان فى جملة هذه النسبة -مع أنه لا نسبة سواها- نسبة لا يخيلها العقل ولا ينبو عنها اللفظ، فليعلم أنها المراد. أما كونه مكاناً أو محلاً كما كان للجوهر والعرض، فاللفظ يصلح له ولكن العقل يخيله كما سبق، وأما كونه معلوماً ومراداً، فالعقل لا يخيله ولكن اللفظ لا يصلح له، وأما كونه مقدوراً عليه وواقعاً فى قبضة القدرة ومسخراً له، مع أنه أعظم المقدورات ويصلح الاستيلاء عليه، لأنه يتمدح به وينبه به على غيره الذى هو دونه فى العظم، فهذا مما لا يخيله العقل ويصلح له اللفظ، فأخلق بأن يكون هو المراد قطعاً. أما صلاح اللفظ له فظاهر عند الخبير بلسان العرب.
أنه تعالى مرئى: وهذا لوجوده ووجود ذاته، فليس ذلك إلا لذاته، فإنه ليس لعقله ولا لصفة من الصفات، بل كل موجود ذات، فواجب أن يكون مرئياً، كما واجب أن يكون معلوماً بالقوة لا بالفعل، أى هو من حيث ذاته مستعد لأن تتعلق الرؤية به، وأنه لا مانع ولا مخيل فى ذاته، فإن امتنع وجود الرؤية فالأمر خارج عن ذاته.
والبارى سبحانه موجود وذات، وله ثبوت وحقيقة، وهو يخالف سائر الموجودات فى استحالة كونه حادثاً أو موصوفاً بما يدل على الحدوث، أو موصوفاً بصفة تناقض صفات الإلهية من العلم والقدرة وغيرهما، فكل ما يصح لموجود فهو يصح فى حقه تعالى، إن لم يدل على الحدوث ولم يناقض صفة من صفاته، والدليل عليه تعلق العلم به، فإنه لما لم يؤد إلى تغير ذاته ولا إلى مناقضة صفاته، ولا إلى الدلالة على الحدوث، سوى بينه وبين الأجسام والأعراض فى جواز تعلق العلم بذاته وصفاته، والرؤية نوع علم لا يوجب تعلقه بالمرئى تغير صفة، ولا يدل على حدوث، فوجب الحكم بها على كل موجود.
فإن قيل: فكونه مرئياً يوجب كونه بجهة، وكونه بجهة يوجب كونه عرضاً