العدل الإلهى، فقد أضفى عليه بوجه من الوجوه صبغة بشرية، فقد كانت فيه لمسة من فكرة القاضى العادل عند البشر ارتقى بها إلى مقام البقاء.

وأصول رد الأشاعرة على هذا لم تكن بحال من الأحوال إنكاراً خالصاً لنصيب المؤمنين فى كل توسع طرأ على مادة العقيدة؛ وقد صور تحول الأشعرى على أنه رجوع إلى النزعة التى يكنها السلف وتصريح بالتزام مذهب ابن حنبل (انظر الإبانة، ص 9) على أن الأشاعرة قبلوا التحدى فى الصراع الجدلى وأدى بهم هذا إلى الإيغال فى هذا الميدان، أدى بهم إلى أن يصقلوا أنفسهم دوماً؛ أدى بهم إلى الدخول فى تعقيدات لا تنتهى، ونشأت عن ذلك جملة من المسائل لم تصل إلى حد قط نتيجة لتنوع الاعتراضات وقيام المدارس المعارضة. ووسط هذه الغمرة من الحجج أصبح من العسير فى بعض الأحيان أن نتتبع ذلك التسليم الكامل فى مواجهة العقيدة الساطعة بالله الواحد الخالق الحكم التى تجدها فى سور القرآن الكريم. ونفى الاختيار عند الإنسان بحقيقته الوجودية قد صرف كثيراً من نزعات التفكير نحو القول بالإرادة الإلهية متصورة على هذا النحو، وقد تحدد هذا أكثر بعد القرن الخامس عشر الميلادى، ذلك أن متكلمى الأشاعرة (أو الماتريدية) لم يسعوا إلى تجديد مذهبهم ليلحقوا بخصومهم المعاصرين، ذلك التجديد الذى كان فيما يظهر أول ما تدعوهم حاجة الدفاع عنه، بل جمدوا فى رسائل ذوات قوالب لا تتغير. وهذا الخطر بالشلل المحيق كان بلا شك من أهم الاعتبارات المؤدية إلى ما نجده عند محمد عبده من نزعة تشبه اللاأدرية.

وهنا يكمن فيما نعتقد تعليل النظر إلى علم الكلام نظرة فيها ما يشبه الازدراء (يرتفع فى بعض الأحيان إلى المعارضة العنيفة) وقد أظهر ذلك على السواء خلفاء "السلف الصالح" الذين تمثلهم على الأخص النزعة الحنبلية وأقوال المتصوفة.

4 - التصوف: ونحن لا نطمع هنا أن نحلل الأصول الدينية للمدارس الصوفية المختلفة أو اتجاهاتها بكل ما

طور بواسطة نورين ميديا © 2015