وقد أدى ما أظهروه من جد فى متابعة أبحاثهم واستدلالاتهم (بالرغم مما وقعوا فيه من أخطاء) إلى أن أدخلوا فى صميم الثقافة الإسلامية ما أغناها حقاً. وقد أثر تحليلهم للمسائل فى بعض الأحيان فى الفكر الدينى نفسه. ولكننا نجد أنفسنا فى هذا المقام قد دخلنا فى ميدان آخر مخالف لسر الله الحى الذى لا يدرك الذى استوجب به القرآن الكريم طاعة المؤمنين.
3 - الكلام: ونعود الآن إلى مدارس الكلام السنية. وما من شك أن الفلاسفة احتقروا جدل "المتكلمين" الذين جعلوا الشريعة أشتاتاً، كما يقول ابن رشد (فصل المقال، طبعة وترجمة Gauthier، الجزائر، سنة 1942، ص 29). ذلك أن لطائفهم ومجادلاتهم مضطربة فى كثير من الأحيان، وبراهينهم الفلسفية محل مناقشة، ولكنهم عندما تصدوا على هذا النحو إلى الدفاع عن العقائد ضد أولئك الذين شكوا، فإن الذى كان يدخل فى دفاعهم على التحقيق هو الله سبحانه وتعالى كما تصوره العقيدة الإسلامية. والمعتزلة -كالأشاعرة سواء بسواء- رجال دين أولاً وفلاسفة ثانياً (أحمد أمين، ضحى الإسلام، القاهرة سنة 1362 هـ = 1943 م، جـ 7 ص: 204).
ومع ذلك فإن الاتجاهين الباطنين لعلم الكلام عند المعتزلة وعند أهل السنة مختلفان. صحيح أن المعتزلة بدءوا بالقرآن الكريم وعدل الله السامى ولكن فكرتهم عن العقل باعتباره مقياساً للشريعة وسلطان العلوم الأجنبية عليهم من بعد قد أديا بهم إلى إقامة العقيدة كلها على فكرة أن الله يمكن إثبات وجوده بالعقل الإنسانى، وقد قصدوا فى دعم إثبات الوجود المثالى وتنقيته ولكن تشددهم فى القول بالتنزيه بلغ بهم الغاية إلى إضعاف فكرة الصفات الإلهية نفسها. ولم يكن الأشاعرة بمخطئين حين أخذوا عليهم ذلك، ثم حدث من بعد أن سر التوحيد الإلهى قد بدا كأنما أحيط بتصور يتفق وما عليه البشر، وعبر عنه بالأسلوب لا شك، ولكن الأفهام تدركه مباشرة مجزأ. ونحن نجد شيئاً يشبه هذا فى التصوف ماثلاً فى رياضات الجنيد، ويتصل بهذا ويكمله فى الوقت نفسه