إلى أجل، عالم ليست له بداية أو نهاية "ممكن" فى ذاته، محدث فى مرتبة الذات واجب فى مرتبة الوجود، والعناية شريعة الفيض نفسه وهى قائمة ضرورة بعقل الله الأزلى.

والأسباب لا يمكن أن تعجز فى أن تفعل فعلها فى أعراضها، ولم تعد ثمة أية مشكلة عن اختيار الإنسان حيال قدرة الله على كل شئ (النجاة، ص 302).

وأياً كان الحل الذى يتخذ ببقاء نفوس الأفراد فإن العقل الفعال يكون وسيطاً بين الله والإنسان فى مرتبة العلم ومرتبة الفيض، إذ هناك طبقات للعقول العاقلة حتى المعلول الأول ويحيط بهذه العقول العقل الكلى. وعند ابن سينا طبقة من النفوس تقابل هذه العقول، وقد أنكر هذا ابن رشد. والظاهر أن ابن رشد إنما كان من الفلاسفة الذين توسلوا بالفلسفة فى العودة إلى العلم الإلهى بالأشخاص بأعيانها وهو ما شدد القرآن الكريم فى الدعوة إليه. أما الأمر المعلق فهو موقف العقيدة كله من الله. ولا مراء فى أن الفلاسفة كانوا مسلمين وظلوا مسلمين.

ومع أن نظرياتهم نفسها قد تعدل أو يوفق بينها وبين ما أكده القرآن، فإن الله الذى يدعون إليه هو الله الذى ندركه بالعقل ونهتدى إليه فى أسمى الحالات بومضة من ومضات الحدس. وقد تصدوا لإثبات (وتدخل فى ذلك فكراتهم عن التجلى، وهو لحظة عابرة يوفق الإنسان فيها إلى الواجب الكلى) أن الله المدرك بالعقل والله الذى نزل به القرآن يتفقان اتفاقاً كلياً. ولكنها ليست مسألة صحة عقيدة تستخدم العقل سنداً فى نطاقها. فهم يتناولون الفلسفة من ناحية والشريعة من ناحية أخرى مصدرين يتساويان قيمة. والمسألة المعلقة فى هذا المقام هى بيان أنهما يتفقان. وقد بلغوا هذه الغاية بالتأويل فلسفياً ورمزياً معاً، فالله هو الأول والسابق وهو الواجب الوجود، والله عند أئمة الفلاسفة تصور لوجود متعال واجب كامل، وهو العقل الأسمى والحب الأسمى، صدر عنه العالم بفيض ضرورى مراد. وصفوة القول أنه غرض لا يتصل بالعقيدة بمقدار ما يتصل بالتجربة الفلسفية والحدس الخصب.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015