القرنان العاشر والحادى عشر الميلادى) -الذى أنكر أن تكون للعقل قدرة على القياس (نستطيع هنا أن نتحدث عن قول ابن حزم بالمذهب الاسمى، ولكنه ليس مذهباً اسمياً يدور حول قيمة اللغة ذات الأثر وقواعدها) والذى كان يرمى إلى الاستمساك بنص الكتب المنزلة - قد أنكر الكسب الذى قال به الأشاعرة حيث إن نصوص الكتاب كما يقول (الفِصَل، القاهرة سنة 1347 هـ, جـ 3، ص 48) لا تجيز أن الإنسان يخلق أفعاله كما يقول المعتزلة ولا الاكتساب الذى وهبه الله إياه كما يقول الأشاعرة. ولكن نقضه كله لهذه النظريات العارضة، هذا النقض الذى وإن كان أبعد ما يكون عن التسلسل الفكرى (انظر الكتاب المذكور 51 - 52) غير أنه ناضج سديد، وهو فى نفس الوقت قد عرض فى إجمال رأياً شخصياً سديداً فيما يتصل "بالاستطاعة". (انظر المصدر المذكور، ص 21 - 26، 31).
والغزالى، ولا نعنى هنا الغزالى فى كتابه الاقتصاد الذى عنّى نفسه بعرض نظريات الأشاعرة أو النهوض بها متنقصاً مع ذلك من حدود علم الكلام (ص 7 - 8) وإنما نعنى الغزالى فى كتابه التهافت بل الإحياء بخاصة (القاهرة، طبعة سنة 1352 هـ = 1933 م، جـ 4، ص 269) حيث يقوم بتحليل نفسى نافذ كل النفوذ لموضوع الاختيار والصلات بين العقل والإرادة فى الفعل الاختيارى، وهو يدافع عن تصور للاختيار لا يقاس بالعقل ويؤكد أن الله وحده الذى يفعل "من غير غرض" هو صاحب الاختيار والصلات بين العقل والإرادة فى الفعل الاختيارى المطلق، اختيار متصور كأنما هو اختيار إنسانى يرتفع إلى مقام الأبدية. وما يسميه المتكلمون الكسب هو مرحلة وسطى (الإحياء، جـ 4، ص 220) ليست مجال مشاركة فى الاختيار الإلهى، فالإنسان يأتى الفعل ضرورة بمعنى أن كل شئ يحدث له لا يصدر عنه وإنما يصدر عن آخر، فهو يفعل عن اختيار بمعنى أنه هو "محل" الفعل المختار، يفعل فعله غير مدافع بعد أن يقرر العقل، وهذا الأخير ليس إلا صورة.