وملبس ومسجد يصلي فيه وإنما المذموم أخذ الشيء من غير حِلِّهِ أو تناوله على وجه السرف لا على مقدار الحاجة ويصرف النفس فيه بمقتضى رعوناتها لا بإذن الشرع فالعاقل يجعلها مطية للآخرة فينفقها في سبيل الله في المشاريع الدينية من طباعة مصاحف وكتب دينية وعمارة مساجد وبذل للفقراء الَّذِينَ لا موارد لهم ونفقات على طلبة العلم الشرعي.

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يسب الدنيا فَقَالَ له: إنها لدار صدق لمن صدقها، ودار عافيه لمن فهم عنها، ودار غني لمن تزود منها.

مسجد أحباب الله، ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه. اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذم الدنيا وقد آذنت بفراقها، ونادت بعيبها، ونعت نفسها وأهلها، فمثلت ببلائها وشوقت بسرورها إلى أهل السرور.

فذمها قوم الندامة ومدحها آخرون، وحدثتهم فصدقوا وذكرتهم فذكروا.

فيا أيها المعتز بالدنيا المغتر بغرورها، متى استلأمت إليك الدنيا، بل متى غرتك أبمضاجع آبائك تحت الثرى، أم بمصارع أمهاتك من البلى. كم قلبت بكفيك ومرضت بيدك تطلب له الشفاء وتسأل له الأطباء فلم تظفر بحاجتك ولم تسعف بطلبتك قد مثلت لك الدنيا بمصرعه مصرعك غداً ولا يغني عنك بكاءك ولا ينفعك أحبابك.

وَقَالَ ابن رجب رحمه الله على كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فبين أمير المؤمنين رضي الله عنه أن الدنيا لا تذم مطلقاً وأنها تحمد بالنسبة إلى من تزود منها الأعمال الصالحة وأن فيها مساجد ومهبط الوحي.

وهي دار التجارة للمؤمنين اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا بها الجنة فهي نعم الدار لمن كانت هذه صفته.

وأما ما ذكر من أنه تغر وتخدع فإنها تنادي بمواعظها وتنصح بعبرها وتبدي عيوبها بما ترى من أهلها من مصارع الهلكى.

وتقلب الأحوال من الصحة إلى السقم ومن الشبيبة إلى الهرم ومن الغنى إلى الفقر ومن العز إلى الذل ولكن محبها قد أعماه وأصمه حبها. انتهى أهـ.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015