كثيرة المخافات، فتزودوا من دنياكم قبل الممات، وتدار هفواتكم قبل الفوات، وحاسبوا أنفسكم وراقبوا الله في الخلوات، وتفكروا فيما أراكم من الآيات، وبادروا بالأعمال الصالحات، واستكثروا في أعماركم القصيرة من الحسنات، قبل أن ينادي بكم مناد الشتات، قبل أن يفاجئكم هادم اللذات، قبل أن يتصاعد منكم الأنين والزفرات قبل أن تنقطع قلوبكم عند فراقكم حسرات قبل أن يغشاكم من غم الموت الغمرات، قبل أن تزعجوا من هذه الحياة قبل أن تتمنوا رجوعكم إلى الدنيا وهيهات.
شِعْرًا: ... مَا دَارُ دُنْيًا لِلْمُقِيمِ بِدَارِ ... وَبِهَا النُّفُوسُ فَرِيسَةُ الأَقْدَارِ
مَا بَيْنَ لَيْلٍ عَاكِفٍ وَنَهَارِهِ ... نَفْسَانِ مُرْتَشِفَانِ لِلأَعْمَارِ
طُولُ الْحَيَاةِ إِذَا مَضَى كَقَصِيرِهَا ... وَالْيُسْرُ لِلإِنْسَانِ كَالإِعْسَارِ
وَالْعَيْشُ يَعْقِبُ بِالْمَرَارَةِ حُلْوَهُ ... وَالصَّفْوُ فِيهِ مُخَلَّفُ الأَكْدَارِ
وَكَأَنَّمَا تَقْضِي بُنِيَّاتُ الرَّدَى ... لِفَنَائِنَا وَطَرًا مِنْ الأَوْطَارِ
وَالْمَرْءُ كَالطَّيْفِ الْمُطِيفِ وَعُمْرُهُ ... كَالنُّومِ بَيْنَ الْفَجْرِ وَالأَسْحَارِ
خَطْبٌ تَضَاءَلَتَ الْخُطُوبُ لِهَوْلِهِ ... أَخْطَارُهُ تَعْلُو عَلَى الأَخْطَارِ
نُلْقِي الصَّوَارِمَ وَالرِّمَاحَ لِهَوْلِهِ ... وَنَلَوْذُ مِنْ حَرْبٍ إِلَى اسْتِشْعَارِ
إِنَّ الَّذِينَ بَنُو مَشِيدًا وَانْثَنَوْا ... يَسْعَوْنَ سَعْيَ الْفَاتِكِ الْجَبَّارِ
سُلُبوا النَّضَارَةَ وَالنَّعِيمَ فَأَصْبَحُوا ... مُتَوَسِّدِينَ وَسَائِدَ الأَحْجَارِ
تَرَكُوا دِيَارَهُمُ عَلَى أَعْدَاهِم ... وَتَوَسَّدُوا مَدَرًا بِغَيْرِ دِثَارِ
خَلَطَ الْحِمَامُ قَويَّهُمْ بِضَعِيفِهِمْ ... وَغَنِيَّهمُ سَاوَى بِذِي الإِقْتَارِ
وَالْخَوْفُ يُعْجِلُنَا عَلَى آثَارِهِمْ ... لا بُدَّ مِنْ صُبْحٍ الْمُجِدِّ السَّارِي
وَتَعَاقُبُ الْمَلَوَيْن فِينَا نَاثِرٌ ... بَأَكَرِّ مَا نَظَمَا مِنْ الأَعْمَارِ
ثم اعلم يا أخي أن الدنيا لا تذم لذاتها وكيف يذم ما منَّ الله به على عباده وما هو ضرورة في بقاء الآدمي وسبب في إعانته على تحصيل العلم والعبادة من مطعم ومشرب