فالأمر -من طرفيه- متوازن. جهد مفروض من ناحية، وقدرة على بذله واحتماله من ناحية أخرى.
بل إن الأمر في الفطرة البشرية أعجب من ذلك!
إن طاقة الجهد المذخورة في كيان الإنسان وجدت لتبذل! فإذا لم تبذل تمرض، ويمرض معها الإنسان!!
وحين نظن -بنظرتنا البشرية القاصرة- أننا نحل للإنسان مشكلاته إذا وفرنا عليه الجهد البتة، وجعلنا حياته رخاء لينة، فإننا نكون نحن الذين نخلق له المشكلة في الحقيقة، لأننا نتسبب في أن نجعل في حوزته جهدًا زائدًا -أو فائضًا- لا يجد منصرفه الطبيعي، فإما أن ينصرف في الفساد وهو الأرجح، وإما أن يترهل صاحبه ويمرض. وكلاهما فساد!
وليس معنى ذلك أن نتعمد الجهد ونفتعله افتعالًا حتى نصل إلى درجة الإجهاد! كلا!
إن منهج الله يحوي المقادير المضبوطة لكل شيء. وما علينا إلا اتباعه. وهو ينظم نفسه بنفسه. في الجهد المبذول وفي توزيع الطاقة وفي الثمرة سواء.
وحين يختل الميزان بسبب انحراف البشر، ويحتاج الأمر إلى الجهد الزائد والمشقة التي تفوق الاحتمال العادي، فإن الله يختار من عباده قومًا يخصهم برحمته وفضله، ويؤتيهم طاقة على احتمال الجهد الزائد، ثم يتخذ منهم شهداء:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} 1.
{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} 2.