ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} 1.
فهذا الإنكار هو صمام الأمن للمجتمع، الذي يقف انتشار السيئات فيه ويعصمه من الانحراف الشامل. فإذا لم يعمل هذا الصمام عمله فلا شيء يحول إذن بين المجتمع والفساد؛ حى تبقى فيه قلة صالحة تدعو فلا يستجاب لدعائها!
عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فعرفت في وجهه أن قد حضره شيء، فتوضأ وما كلم أحدًا، فلصقت بالحجرة أستمع ما يقول: فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "يا أيها الناس، إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم" , فما زاد عليهن حتى نزل2.
هذه هي صورة المجتمع المسلم. الصورة الواقعية الخالصة، كما حدثت بالفعل في واقع التاريخ، وليست الصورة الخيالية التي لا تقبل التطبيق.
وحين ينطلق الطفل إلى التعامل مع هذا المجتمع، كما لا بد أن يفعل، فهو في الواقع يثبت تلك القيم والمفاهيم والمبادئ والعادات والتقاليد وأنماط السلوك التي تربي عليها في البيت المسلم والمدرسة المسلمة، ويزيدها تمكنًا ورسوخًا وفاعلية. فتتواكب التأثيرات كلها في نفسه، يقوي بعضها بعضًا. ويسند بعضها بعضًا، فإذا هو في النهاية قد تهيأ ليأخذ مكانه في هذا المجتمع: فردًا صالحًا في مجتمع صالح.
ولقد يحدث -كما لا بد أن يحدث- أن يصادف الطفل نماذج سيئة في هذا المجتمع ناشزة عنه. فإذا أدرك بوعيه، وبما تربى عليه في البيت والمدرسة من قيم وتصورات ومفاهيم، أنه نموذج سيئ وناشز، فقد انتفى الضرر المحتمل من هذا اللقاء، بل لقد أصبح لدى الطفل قدر مطمئن من المناعة يحميه من التأثر بما قد يلقاه في هذا المجتمع من سوء. وإلا فعلى الوالدين أن ينبهاه إلى هذه الحقيقة، ويبينا له الفرق بين هذا النموذج السيئ وبين النماذج