في فراغ شعوري أو وجداني أو عصبي أو فكري. وليست كعملية التعرف على المعلومات البحتة التي تتم في نطاق الذهن وحده، ولا يصحبها إلا القليل من المشاعر النفسية العابرة.

إن عملية التعرف الاجتماعي تتم بالكيان النفسي كله. ومن ثم فهي تستخدم كل الأجهزة النفسية القابلة للتأثير والتأثر. وإذ كان الطفل أضأل كيانًا -لصغر سنة وصغر حصيلته من التجربة والخبرة والمعرفة وضعف مقدراته جميعًا- بالإضافة إلى أنه فرد واحد إزاء المجتمع الكبير، فهو إذن عرضة لأن يتأثر، أكثر كثيرًا من أن يؤثر.

وقد يكون الطفل المنطوي على نفسه أقل الأطفال عرضة للتأثير بالمجتمع، ولكنه لا بد أن يتأثر حتمًا قدرًا من التأثر. ثم إنه في النهاية ليس أفضل النماذج البشرية، وقد يكون أسوأها، ما لم يكن ذا مواهب فائقة جدًّا تعوض عليه ما يفقده من كيانه النفسي وخبرته الاجتماعية من جراء عزلته وانطوائه وسلبيته.

والخلاصة أن الطفل سيتأثر تأثرًا لا محيص عنه بالمجتمع من حوله. ولا يمكن فصله وحجزه عن هذا التأثر إلا بحبسه حبسًا مطلقًا عن التعامل مع المجتمع. وهذا أمر لا سبيل إليه بحال من الأحوال. وليس من الصواب حتى إن أمكن تنفيذه، لأنه ينشئ إنسانًا مختلًّا مشوه التكوين النفسي، كالجسم الذي أصابه الكساح من عدم الحركة، فأصبح مشوهًا عاجزًا ناقص التكوين.

وفي المجتمع المسلم تكون حركة الطفل في مختلف قنواته وتياراته هي الحركة السليمة الصحية الواجبة، التي ينبغي أن يدفع الوالدان طفلهما إليها دفعًا, حتى وإن كان كارهًا أو مترددًا أو خائفًا في مبدأ الأمر.

إن التعامل الجديد. والتعامل مع الأغراب. له رهبة معينة في نفوس بعض الأطفال على الأقل. وهذه الرهبة ينبغي أن تزول بالتشجيع المستمر، والتعويد، والطمأنة، ومصاحبة الوالدين للطفل في مبدأ الأمر حتى يطمئن إلى التجربة الجديدة, وأنها مأمونة العاقبة ليس فيها ما يرهب أو يخيف.

وبعض الأطفال ولا شك يكونون على العكس من ذلك مندفعين إلى التعامل مع المجتمع والانسياح فيه

إلى الحد الذي يحوج الوالدين إلى الحد من هذا الانسياح، وضبطه في الحدود المأمونة التي لا تنشئ عند الطفل تأثرات

طور بواسطة نورين ميديا © 2015