يحتاج إلى تجارب كثيرة في الشيء الواحد كما يحتاج الطفل المتوسط الذكاء أو القليل الذكاء.

والطفل ذو القدرة العالية على التركيز أقدر على استيعاب عدد أكبر من النماذج، من الطفل المشتت الانتباه. والقدرة على التركيز شيء غير الذكاء وقد لا يرتبط به. فهناك طفل شديد الذكاء ولكنه مهوش موزع الانتباه لا يستطيع التركيز على شيء. بينما يستطيع طفل عادي الذكاء ذو قدرة عالية على التركيز أن يحصل بانتباهه خبرات أكثر ومعلومات أكثر. أما الطفل البطيء التفكير فغالبًا ما يكون كذلك قليل القدرة على التركيز، ومن ثم بطيء التحصيل للخبرات والمعلومات سواء.

كذلك الأمر في القدرة على التعامل المباشر مع المجتمع. فكلما زاد التعامل المباشر زاد رصيد الخبرة الذاتية ونمت الجوانب الاجتماعية من شخصية الطفل، فصارت حركته في المجتمع أيسر وأوسع، وصارت حصيلته في البداية أكبر.

والطفل المنطوي على نفسه قد يكون -أحيانًا- ذا قدرة على التجريد النظري؛ وإذا كانت قدرته على التركيز عالية فقد يستطيع في أثناء تأملاته الصامتة التي ينفق فيها أكثر وقته وجهده أن يستخلص من أحوال المجتمع أكثر مما يستخلصه غيره من الأطفال, حتى أصحاب التعامل المباشر والحركة الواسعة، ذلك أن هذه التركيبة النفسية تهيئه لأن يكون "مفكرًا" أو فنانًا في المستقبل إنما وجد الظروف الملائمة والتوجيه الصائب. ولكنه يظل مع ذلك قليل الخبرة العملية، ضئيل الرصيد الواقعي في التجارب، فلا يحسن التعامل مع هذا المجتمع الذي يعرفه -نظريًّا- أكثر من غيره. ذلك أن المعرفة النظرية شيء، والخبرة العملية شيء آخر. وسيظل -رغم قدرته على التجريد النظري، ومعرفته النظرية بأحوال الناس ودوافعها وقيمها ومبادئها- غير مكتمل النمو النفسي، وغير قادر على خوض التجارب الحية بمفرده، وعرضة للحيرة والارتباك في المواقف المفاجئة، رغم معرفته النظرية بما ينبغي أن يكون عليه التصرف في هذه المواقف!

وعاجلًا أو آجلًا بتعرف الطفل على مجتمعه. ويتأثر به في ذات الوقت.. فليس الأمر مقصورًا على التعرف. لأن عملية التعرف الاجتماعي لا تتم

طور بواسطة نورين ميديا © 2015