والخروج إلى الشارع تجربة ضخمة في حس الطفل، مفيدة ومثمرة وضرورية.
فمنذ اللحظة التي يتسع فيها عالمه النفسي والوجداني والعقلي عن حدود البيت، يصبح البيت في حسه قيدًا يرغب في الانفلات منه. وعندئذ لا بد أن يسمح له بالخروج، في صحبة الآخرين في مبدأ الأمر إلى أن يطمأن إلى خروجه وحده فيما بعد. وحبسه في البيت -تحت أي ستار كان- هو تعويق لنموه النفسي والعقلي والوجداني، يترك طابعه فيه بقية العمر إذا لم يصحح في حركة تصحيح جذري. فقد يطبعه بالجبن والخوف. أو يطبعه بالانطواء والعزلة. أو يطبعه بالنفرة من الناس. أو يطبعه بالاضطراب والحيرة عند مواجهة المواقف الجديدة. أو يطبعه برفض كل تجربة جديدة يخوضها وحده، ويتمسك بأن يخوضها غيره له أو يخوضها معه ليطمئن! أو يطبعه بذلك كله في آن واحد!
ذلك أن الشارع هو مجال اكتساب الخبرة ونمو الشخصية في ذلك كله!
في الشارع يرى أناسًا أغرابًا لا تربطهم به صلة كتلك التي تربطه بأهل المنزل.. فيتعود أن يرى الأغراب ويعيش بينهم بلا توجس.
وفي الشارع يجد أقرانًا في مثل سنه وأكبر وأصغر. فيتعامل معهم في لعب أو حديث أو حتى مشاجرة. وفي كل مرة يكتسب خبرة جديدة ويتخطى حاجزًا من الحواجز، ويمارس الحياة ممارسة فعلية. فالحياة أخذ وعطاء. وسلم وحرب. وغلبة وغلب. وخصام وصلح. وحب وكره. واجتماع وافتراق. وجهد يبذل, ورغائب تتحقق أو لا تتحقق.
ولا يمكن أن يتم ذلك كله في داخل البيت، ولو كان فيه إخوة وأخوات وأقارب. فالحياة ليست مقصورة على التعامل مع الأقارب. إنما يقع أكثرها تعاملًا مع أناس لا تربطهم بالإنسان رابطة قرابة ولا صداقة. فما لم يتعود الإنسان ذلك في صغره، ويمارسه ويتدرب عليه تدريبًا عمليًّا، فستظل نفسه متوجسة مضطربة لا تجد طمأنينتها واستقرارها في المجتمع الكبير.
ومن هنا يكون الخروج إلى الشارع وممارسة الحياة فيه ضرورة للطفل، لا يكتمل بنيانه النفسي والعقلي إلا به، ولا تنمو كل جوانب شخصيته إلا فيه. فإن منع من الخروج إليه -لأي سبب- فستظل جوانب من نفسه ضامرة غير