من رحمته البالغة أنه لم يأخذ الفطرة بميثاقها وحده, وإنما أرسل الرسل يذكرون الفطرة بميثاقها، ويهدونها إلى الطريق الحق:
{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} 1.
وما مهمة المربي إلا أن يلتقط الخيط، وينتهز الفرصة السانحة، ليعرف الطفل بإلهه الحق، ويربط مشاعره به، ويعلق قلبه بالتطلع إليه والخشية منه.
وينبغي أن نتذكر بطبيعة الحال أن مدارك الطفل ما تزال صغيرة، وأن قدرته على الاستيعاب محدودة، فنحدثه بما يناسب قدرته ومداركه لا بما نعرفه نحن عن حقيقة الألوهية، وإن كانت هناك حقائق يلتقي عندها الصغير والكبير:
{قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} 2.
للكبار هي أم للصغار أم لهم جميعًا؟
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} 3.
للكبار هي أم للصغار أم لهم جميعًا؟
فأما ما يعجز عن فهمه وإدراكه فيؤجل حتى يحين وقته. إنما المهم أن نبدأ معه حين يبدأ هو, يستطلع أحوال الكون والحياة من حوله، ويسأل الأسئلة التي لا إجابة لها إلا: الله.
وسنقول له أشياء لن يستطيع تصورها ولا تخيلها، ولكنا مع ذلك لا بد أن نلقيها في خلده حتى يتم إدراكها فيما بعد.
حين نقول له إن الله يرانا ويسمعنا, وإن كنا نحن لا نراه:
{لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} 4.
فلن يفهم ذلك وهو صغير. ولكنه حين يكبر يستطيع أن يستوعب هذا الأمر على أنه حقيقة، وإن كان سيعرف أنه لن يدرك الكنه لأن ذلك خارج عن نطاق الإدراك البشري!
ومع ذلك فلا بد أن نقول له هذه الحقيقة لأنه يظل يسأل دائمًا: أين الله؟ ولماذا لا نراه!