والعبادة -بمعناها الواسع الشامل- أي: التوجه إلى الله بكل عمل، والسير على هدى منهجه في كل عمل. تملأ الفراغ كل الفراغ!
ومن هنا لا يحتاج المسلم إلى الخمر والميسر ولا يغرق في حمى الجنس ولا في المخدرات، لأنه لا يحس ذلك الفراغ الداخلي القاتل الذي يهرب منه في هذه الأشياء!
ومع ذلك فقد حرص الإسلام على "شغل أوقات الفراغ" -حين توجد- بالعمل النافع المثمر الذي يعين الإنسان على الطريق.
يشغله في الذكر والعبادة التطوعية بعد أداء الفرائض.
يشغله في حفظ القرآن وتلاوته تعبدًا إلى الله.
يشغله في زيارة الأصحاب والأحباب وعيادة الأرضى من المعارف والأصدقاء.
يشغله في ساعة مرح نظيف مع الزوجة والأولاد في البيت، أو مع الأحباب المؤمنين في أي مكان.
وكلها طاعات يتقرب بها إلى الله، وتزيد نفسه ثراء في كل مرة؛ لأنها تضيف إلى رصيد الخير فيها، ولا تستنفد طاقة النفس في التفاهات أو في المدمرات من الشهوات.
والإسلام حريص على تعويد أتباعه على ذلك منذ صغرهم لكي لا تنشأ عندهم عادة "قتل الوقت" بالسيئ من العادات أو المشاعر أو الأفكار أو الأعمال. فوقت الفراغ فرصة لكل سيئ من الأمور إذا لم يحسن استغلاله, وخاصة إن وجدت الطاقة الفائضة، فهنا يكون الفساد أشد.
وبالنسبة للطفل فإن الطاقة الفائضة والوقت الفائض أمران متداخلان متقاربان. فما قلناه هناك بشأن الطاقة الفائضة نقوله هنا مرة أخرى بالنسبة للوقت الفائض: اللعب، وتنظيم أشيائه وترتيبها، والتشجيع على بعض الأعمال المنزلية. ثم نصيف إليه بالنسبة للوقت، بعض أوقات يجتمع فيها الأبوان بالطفل، يحدثانه بقصة، أو يستمعان منه إلى قصة، أو يخرجون في نزهة أو زيارة لبعض الأصدقاء، فكلها أمور تشغل الوقت في النافع، ولا تترك فراغًا للسيئات..