أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ} 1.
والمربي لا يستطيع بطبيعة الحال أِن يفتعل الأحداث! فهي تجري بقدر الله في الصغيرة والكبيرة سواء. ولكن تطبيق المنهج يقتضي منه أن ينتهز الفرص المناسبة ليلقي دروسه التربوية في الأحداث التي تقع -بقدر الله- والتي يرى أنها صالحة لتوجيه تربوي معين. سواء كان الانفعال بالحدث قائمًا في نفس الطفل بالفعل، أو كان على المربي أن يثير ذلك الانفعال بتعليقاته عليه، حتى إذا علم أن التوهج الشعوري قد حدث داخل نفسه أعطاه التوجيه المطلوب.
وغالبًا ما يجيء الأمر بعد مخالفة تقع من الطفل ويكون لها أثر غير عادي في حياته. فعندئذ يكون التوجيه أفعل. أما أحداث كل يوم العادية فليست هي المقصودة بالتربية بالأحداث، ولا تصلح لذلك، لأن التعليق والتوجيه ينبغي أن يكون مناسبًا للحدث ذاته حتى لا يشعر الطفل بالمبالغة التي تفقد التوجيه وزنه في حسه!
ولقد يحدث بطبيعة الحال أن يكون الطفل مستهينًا بما وقع منه، والمربي -بخبرته- يراه عظيمًا وخطيرًا وفي حاجة إلى توجيه شديد. فعندئذ يبين للطفل جسامة ما حدث منه، ويوضح له أن الاستهانة من جانبه خطأ ينبغي الكف عنه. كما حدث للمؤمنين في حادث الإفك:
{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} 2.
فقد صحح لهم خطأهم في تصورهم أن هذا الذي فعلوه كان هينًا. وبين لهم أنه كبيرة من الكبائر، وبين لهم ما كان ينبغي أن يكون عليه السلوك الصحيح في هذا الموقف. ثم أعطاهم توجيهًا حادًّا عنيفًا حاسمًا يشتمل على تهديد خفي.