الله، ومستحقين لنعم الله. فهذا التذكير بالله هو الضمان ضد تحول السلوك إلى أداء آلي. وهو الرصيد الحقيقي للقيم والمبادئ، والرصيد الحقيقي للتربية الإسلامية كذلك.

وعلى قدر هذا التذكر الحي لله. والإحساس الحي بوجوده سبحانه وبرقابته على الأعمال، يكون رصيد التربية في دنيا الواقع، وتكون فاعليتها في النفس. فلا عجب إذن أن تكون جماعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الجماعة المثالية في تاريخ البشرية كله، بما كانت عليه من ذكر دائم لله، وإحساس حي بوجوده، وتوجه دائم إليه بالخشية والتقوى لتنال رضاه.

من وسائل التربية الفعالة كذلك التربية بالأحداث. أي: استغلال حدث معين لإعطاء توجيه معين. وميزته على التوجيهات الأخرى التي تعطى للطفل باستمرار، أنه يجيء في أعقاب حديث يهز النفس كلها هزًّا فتكون أكثر قابلية للتأثر، ويكون التوجيه أفعل وأعمق وأطول أمدًا في التأثير من التوجيهات العابرة التي تأتي "على البارد" بغير انفعال.

وقد كانت الأحداث في حياة الجماعة المسلمة الأولى، والتوجيهات القرآنية المتنزلة فيها، من أبلغ وسائل التربية لهذه الجماعة وأعمقها أثرًا فيها ... ففي كل حدث درس. وفي كل درس عبرة لا تنسى.

كان الحدث يهز الجماعة المسلمة كلها فتنفعل به انفعالًا يصل إلى درجة التوهج في داخل النفوس. وعندئذ ينزل التوجيه -والنفوس في هذا التوهج- فيترك طابعه الذي لا يزول. أو كان يحدث الحدث فيتنزل التعليق عليه حارًّا متدفقًا فيكون هو الذي يشعل النفوس إلى درجة التوهج، وفي ثناياه يجيء التوجيه المطلوب، كما يطرق الحديد بعد تحميته حتى يتوهج، فيشكل على الشكل المطلوب!

ومراجعة سريعة لسورة الأنفال -التي نزلت تعليقا على ما حدث بين المؤمنين من خلاف على توزيع أنفال بدر- وسورة آل عمران التي نزلت تعليقا على هزيمة أحد، التي نتجت عن عصيان فريق من المؤمنين لأوامر الرسول القائد عليه صلوات الله وسلامه، وسورة التوبة التي نزلت تعليقًا على موقف المنافقين من غزوة تبوك -غزوة العسرة- وسورة الأحزاب التي نزلت تعليقًا على الهزة

طور بواسطة نورين ميديا © 2015