ذات الجهد الذي بذله فيها أول مرة وهو يتعلمها أو يجربها لأول مرة، فسيظل جهده محصورًا في عمليات محدودة لا يستطيع تخطيها ولا الإضافة عليها. ولكن من تيسيرات الفطرة التي يعين بها الخالق هذا الكائن البشري على أداء مهمته الضخمة، مهمة الخلافة في الأرض، أن جعل في كيانه القدرة على التعود على الأشياء التي يمارسها أكثر من مرة بانتظام معين. وبمجرد أن تتحول الخبرة الجديدة إلى عادة، ينطلق الجهد العصبي الذي كان مخصصًا لها، ليعمل في ميادين جديدة، ويساعد في اكتساب خبرات جديدة. كما يكون لديك طاقة كهربائية توجهها لإدارة آلة معينة، ثم تسحبها لإدارة آلة جديدة. وهكذا. مع الفارق وهو أن الآلة البشرية تظل عاملة بعد أن تسحب منها شحنتها الأولى، أو القسط الأكبر منها، بينما الآلة المادية تكف عن العمل إن حولت عنها التيار.
ومن معينات الفطرة في هذا الأمر أن الجهاز العصبي ذاته هو الذي يساعد على التعود، بمقدار ما يكون رافضًا أو معوقًا في بادئ الأمر! فالخبرة الجديدة كأنما تحفر حفرًا على المسطح العصبي، يحتاج في بادئ الأمر إلى جهد لتعميقه، ويحتاج كذلك إلى مداومة لفترة من الوقت. كالقناة التي تشقها في الأرض، تبذل جهدًا في شقها. ثم إن تركتها تردمها الأتربة كأنك لم تشقها من قبل، وتحتاج إلى أن تحفرها من جديد، بذات الجهد الأول أو قريب منه. ولكنك إن أعدت المرور عليها مرات صارت عميقة بالقدر الكافي، فلا تنطمر تماما حتى لو أهملتها بعض الوقت، ولا تحتاج حين تعود إلى استخدامها أن تشقها من جديد، وإنما تحتاج إلى جهد قليل لإزاحة ما علاها من الركام. أما إن داومت استخدامها فقد رسخت في الأرض ولم تعد في حاجة إلى جهد، وصارت تجذب الماء للمرور فيها كلما مر بها، فلا يغادرها إلى سواها.
مثل هذا يحدث في داخل الجهاز العصبي. فالخبرة الجديدة تلقي قدرًا من المقاومة في بادئ الأمر حتى تخط لها خطًّا متميزًا أو قناة متميزة تسير فيها. حتى إذا تعمقت القناة بالقدر الكافي -عن طريق التكرار- سارت في داخلها الخبرة بجهد أيسر، حتى تتم في النهاية بلا جهد يذكر، بل أكثر من ذلك أن هذه القناة العصبية هي التي تجذب الخبرة المتصلة بها للسير فيها! ففي الموعد المحدد، الذي يتعود عليه الإنسان، أو في المناسبة المحددة لاستخدام