العقوبة إذن -رغم ضرورتها في كثير من الحالات- ينبغي أن تنفذ بالحكمة الواجبة في كل شأن من شئون التربية، فلا يسرف المربي في استخدامها، ولا يتخطى تدرجاتها. ثم عليه أن يراعي كذلك أن تكون العقوبة مناسبة للجرم. فلا تكون لديه جرعة جاهزة من العقوبة يستخدمها لكل حالة على السواء، فإن ذلك يغري الطفل بالكبيرة ما دام يعاقب على الصغيرة كالكبيرة. كما أنه من الأفضل التهديد بالعقوبة أكثر من توقيعها بالفعل، لأن ذلك يحتفظ برهبتها الدائمة في نفس الطفل، فالتهديد بالمقاطعة يروع الطفل, أما المقاطعة الفعلية فسيتعودها إن تكررت. والتهديد بالحرمان موجع. والحرمان الفعلي موجع كذلك في مبدأ الأمر. ولكنه إن طال تعودته النفس وفقد تأثيره. والتهديد بالضرب مفزع. أما الضرب الفعلي فهو موجع في البدء، عديم التأثير في النهاية.

ولا ضرر بعد التهديد من عدم تنفيذه في بعض الأحيان اكتفاء بأثره المرهوب1. فليس من الضروري أن ينفذ التهديد بالفعل حين يقع من الطفل ما هدد من أجله بالعقوبة. إنما يمكن أن يستتاب دون تنفيذ التهديد. بشرط واحد، وهو ألا يعتقد الطفل أن التهديد هو لمجرد التهديد لا للتنفيذ! فإنه إن اعتقد ذلك فلن يهمه التهديد بطبيعة الحال! فمن أجل ذلك ينبغي أن ينفذ التهديد -ولو مرة- إذا أحس المربي أن الطفل قد استخف بالتهديد ولم يعد يهمه أمره. أما إذا وجد أنه ما زال يخاف منه ويتقيه -ولو وقع في الخطأ المنهي عنه أكثر من مرة- فلا بأس بالاستمرار في التهديد بغير تنفيذ. وعمر رضي الله عنه يقول: علق عصاك بحيث يراها أهل الدار! أي: للتهديد! ولكنه لم ينصح باستعمالها في كل مرة!

بهذه الصورة -وبالحكمة الواجبة- تؤدي العقوبة دورها في التربية في وقت الحاجة إليها، وتتعاون المثوبة والعقوبة معًا على إقامة البناء النفسي السليم للطفل، على خطي الفطرة الطبيعيين: خطي الخوف والرجاء.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015