البدنية الموجعة ويلجون فيها حتى يتبلد عليها حس أطفالهم، ثم يروح الواحد منهم يشكو: الولد. لا أدري ماذا أصنع به. "غلبت" من الضرب فيه ولا ينصلح حاله. فماذا أصنع؟
لا شيء! لأنه استنفد وسائله كلها من أول لحظة. ولم يعد هناك من سبيل إلا تغيير المربي ليمكن تغيير الوسيلة! أي: بنقل الطفل إلى مكان آخر، أو يد أخرى تتعهده، تفتح معه صفحة جديدة تبدأ بالتشجيع. تبدأ من أول الطريق!
وهذا خطر الإسراف في العقوبة، والضرب بصفة خاصة.
إن العقوبة تظل شيئًا مرهوبًا قبل أن تنفذ؛ ثم يكون لها وقعها الكامل في أول مرة تنفذ. ولكنها إن كررت في المدى القريب تظل تفقد شيئًا من تأثيرها في كل مرة، حتى يعتادها الحس وتصبح بغير تأثير. ومن ثم تصبح بغير فائدة.
والمشرفون على السجون يعرفون هذه الحقيقة ويشكون منها. ويقرون أنهم ينفذون العقوبة وهم يعلمون أنه لا فائدة منها! وذلك لكثرة تكرار ذات الوسيلة.. ولكن المربي ينبغي أن تكون عقليته ونفسيته ووسيلته غير عقلية المشرفين على السجون!
إنه مرب قبل كل شيء. وهو يقوم بالعقوبة للإصلاح، لا للانتقام والتشفي. ومن ثم ينبغي أن يستهدف الإصلاح الحقيقي ويبحث عن الوسائل الفعالة الموصلة إليه, ويكف عن الوسيلة إذا وجد أنها لا تؤدي إلى الإصلاح المنشود، أو وجد أنها -بدلًا من أن تصلح- تزيد الفساد.
بل إن شعور الطفل بأن العقوبة توقع عليه للانتقام والتشفي -لا للإصلاح- قد يحدث انحرافًا معينًا في نفسه، وهو أن يتعمد إثارة والديه ليستمتع بمنظر هياجهما وثورتهما عليه، ويحس بالانتفاش الداخلي والارتياح، لأنه -وهو الصغير- استطاع أن يثير أولئك الكبار ويزعجهم! ولا مانع لديه عندئذ من احتمال الأذى -ولو اشتد- في سبيل هذه المتعة التي يجدها في نفسه, كلما استطاع أن يثير ثورة والديه وهياجهما عليه! وعندئذ تكون الخسارة مزدوجة: فلا العقوبة أدت غرضها في الإصلاح، وزاد في نفس الطفل انحراف جديد هو تحقيق الذات عن طريق غير سوي.