ولا يفوتنا أنْ نؤكّد في هذا المقام أنّ نصر الدين من كبار العلماء الأحناف، وأنّ أكثر اشتغاله كان بعلم الفقه، وقد أحبّه تلاميذه فأقبلوا على مجالسه يستمعون إليه، وكانوا أَكثر من 300 تلميذ، وقد غلب عليه لقب المعلّم؛ لذلك اشتهر بين أهل تركيا بالخوجة، كما كان واعظاً ومرشداً يأتي بالمواعظ في قالب النوادر والنكات الظريفة التي لم تُزعزع مكانته في قلوب الناس.
ومن المعروف عنه أنّه كانت له جُرأة على الحكّام والأمراء والقضاة الذين كان يدعوهم إلى السير بمقتضى الشرع الحنيف، ويحضّهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبفضل علمه الغزير الذي اعترف به علماء الأناضول استطاع الوقوف في وجه (تيمورلنك) والتصدي له في العديد من المواقف، فأَنقذ بذلك العديد من الناس من بعض مظالمه.
توفي عام 683هـ وضريح الشيخ موجود في مقْبرة آق شهر الكبرى (11).
أمّا النوادر التي نُسبت إليه:" فيستحيل أن تصْدر ... عن شخصية واحدة لتباعد البيئات التي تُروى عنها" (12) - وهي نتيجة - ما وضعه الترْك وما وضعه غيرهم من عامّة الشعوب الشرقية الإسلامية، وبعضه ممّا وضعه غير المسلمين من جِيران العثمانين -كالأرمن - (13).
خِتاماً نقول: إنّه من الواجب علينا إعادة الاعتبار إلى هذه الشخصية التي أُخمط حقّها طوال القرون المنصرمة عندما أُلبست أثواب الطفيلين والحمقى، وذلك بـ:
ـ إعادة الهويّة الإسلامية لجُحا، من خلال التركيزعلى شخصية جُحا المسلم، ورفض ما عداها من هويّات قوميّة أو وطنيّة (جُحا العربي –جُحا المصري- جحا التركي- جُحا الكردي- جُحا الفارسي) التي يحاول البعض إلصاقها به؛ لأنّ هذا يصبّ في مصلحة أعداء الدين، والدليل ما ورد على لسان وزير الكيان الصهيوني (أبا أبيان) عندما ألقى عام 1967 محاضرة بجامعة (برنستون) الأمريكية قال فيها: "من أوّل واجباتنا أن نُبْقي العرب على يقين راسخ بنسبهم القومي لا الإسلامي".
ـ توقير جُحا بصفته رجل دين وفقيه ومحدّث، وإنزاله المنزلة التي تليق به لا السخرية منه، لأنّ تصويره بشكل كاريكاتوري فيه انتقاص من شأنه كعالم، وتغييب لدوره الإصلاحي في المجتمع من توعية الناس ومواجهة الطُغاة والحكّام.
وأخيراً: إنّ الألقاب الكثيرة التي أُلصقت بشخصيّة جُحا منها: الأحمق والمغفّل والطفيلي تتعارض مع تعاليم ديننا الحنيف التي تنصّ على عدم السخرية من الآخرين، فلقد قال الله سبحانه وتعالى: " يا أيّها الذين آمنوا لا يسْخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهن ولا تَلْمِزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئْسَ الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتُبْ فأولئك هم الظالمون "} سورة الحجرات: الآية:11 {.
بقلم:منال المغربي
ــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1 - "القول في البغال" الجاحظ ص: 37.
2ـ "سير أعلام النبلاء" للإمام الذهبي ص: 172و173، الجزء الثامن.
3 ـ "التاريخ الكبير" للإمام البخاري ص: 257 - 258، المجلد الثالث.
4 - "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر العسقلاني، ص415 - 416 الجزء الثاني، بالإضافة لكتاب "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" للإمام الذهبي ص: 23 - 24 الجزء الثاني، وغيرها من كتب رجال الحديث.
5 - "أخبار الحَمْقى والمغفلين" للحافظ ابن الجوزي، ص: 19.
6 - "دائرة المعارف الإسلامية"، ص: 2669.
7 - "القاموس المحيط" للفيروز آبادي، ص: 1269 مادة جحا.
8 ـ - "تاج العروس من جواهر القاموس" لمرتضى الزبيدي، ص: 271 المجلد 19.
9 - "الموسوعة العالمية"، ص: 226.
10 - "نوادر جُحا الكبرى" حكمت شريف الطرابلسي، ص: 17.
11 - "جُحا العربي" محمد النجار، ص: 53.
12 - 13 "جُحا الضاحك المُضْحك" عباس محمود العقّاد، ص: 127 - 171.
المصدر: موقع التاريخ
ـ[علي فياض]ــــــــ[22 - 10 - 2010, 02:43 ص]ـ
شاكر ذوقكم
ـ[ابو اليمان]ــــــــ[04 - 12 - 2010, 03:22 م]ـ
ما شاء الله جزاك الله الخير الكثير الكثير على ماقدمت أخي