ولكنَّها لَمْ تُذْرِ دَمْعًا وأدمُعي ... إذا قُرِنَتْ بالقَطْرِ زادَتْ علَى القَطْرِ
ويقول -في موضعٍ آخرَ-:
وهاجَ لي الشَّوقَ القديمَ حمامةٌ ... علَى غُصُنٍ في غَيْضَةٍ تترنَّمُ
دَعَتْ شجْوَها محزونةً لم تَفِضْ لها ... دموعٌ ففاضَتْ أدمعي مَزْجُها دَمُ
فقلتُ لها: إن كنتِ (خنساءَ) لوعةً ... ووَجْدًا فإنِّي في البُكاءِ (مُتمِّمُ)
ويلقانا ذِكْرُ الحمامِ -أيضًا- عند أُسامةَ في شِعْرِ الرِّثاءِ؛ ففي مَطْلَعِ إحدَى قصائدِه الرِّثائيَّة: يُخاطِبُ الشَّاعرُ الحمامَ قائلاً:
حمائمَ الأيكِ هيَّجْتُنَّ أشجانا ... فَلْيَبْكِ أصدقُنا بَثًّا وأشجانا
كَمْ ذا الحنينُ على مرِّ السنينَ أمَا ... أفادكنَّ قديمُ العَهْدِ نسيانا
هل ذا العويل علَى غيرِ الهديلِ وهل ... فقيدكنَّ أعزّ الخلق فقدانا
ما وَجْدُ صادِحةٍ في كُلِّ شارقةٍ ... تُرجِّعُ النَّوْحَ في الأفنانِ ألحانا
كما وجدتُّ علَى قومي تخوَّنَهم ... رَيبُ المنونِ ودهرٌ طالَ ما خانا
ويقولُ:
ناحَتْ فباحَتْ في فروعِ البانِ ... عن لوعتي وعن جَوَى أحزاني
بخيلةُ العينين بالدَّمع ولي ... عينٌ تجودُ بالنَّجيعِ القاني
إذا دَعَتْ أجبتُها بروعةٍ ... وُرْقٌ تداعَتْ في ذُرَا الأغصانِ
وحَسرَتي أنَّ الزَّمانَ غالَ مَنْ ... كنتُ إذا دعوتُه لبَّاني
وننتقِلُ إلَى غَرَضِ المديحِ: فنجِدُ أُسامةَ يُشبِّهُ حالَهُ مع ممدوحِهِ بالحَمامِ؛ يقولُ:
مَنْ حَكَى بي وُرْقَ الحَمائمِ في الأفْـ ... ـنانِ: جيدي حالٍ، وغُصني وريقُ
وثنائي كشَدْوهنَّ مدَى الأيْـ ... يَامِ يحلو سماعُهُ ويروقُ
ونراهُ يُشبِّهُ في -قصيدةٍ أخرَى- مَعروفَ ممدوحِهِ -الَّذي طوَّقَ عُنُقَهُ- بأطواقِ الحمامِ؛ يقولُ:
معينَ الدِّينِ كَمْ لَكَ طَوْقُ مَنٍّ ... بجيدي مثل أطواقِ الحَمامِ
ويذكرُ -في موضعٍ آخرَ- أنَّ الحمائمَ تشدو بثنائِهِ في غُصونِها؛ فيقولُ مخاطبًا ممدوحَهُ:
تَهَنَّ ثناءً طبَّقَ الأرضَ نَشْرُهُ ... هو المسكُ لا ما ضُمِّنَتْهُ اللَّطائمُ
ثناءً به يحدو الحُداةُ ويُنشِدُ الرْ ... رُواةُ وتشدو في الغُصونِ الحمائمُ
وبهذا نجِدُ أنَّ أكثرَ المواضِعِ الَّتي ذُكِرَ فيه الحَمامُ: هي مَواضِعُ الحُزْنِ، ومواقِفُ الأسَى؛ فحينَ شَكَا الشَّاعِرُ الفراقَ، ووصَفَ الحنينَ والاشتياقَ؛ رأيناهُ يذكرُ الحَمامَ، ويستعينُ بها في تصويرِ وَجْدِهِ، والتياعِهِ، وحينَ فُجِعَ الشَّاعِرُ بأحبابِهِ؛ وجدناه يذكرُ الحَمامَ في رثائِهِ. واستعملَ -في كُلِّ ذلك- ألفاظًا حزينةً، ملائمةً للسِّياقِ؛ فالحمائمُ (تنوحُ)، و (تبكي)، و (تنطِقُ بالحنين)، و (تهيجُ أشجانَ الفؤاد)، وهي (محزونة)، (مفجوعة بأليفِها) ...
وَلَمْ يَحْظَ غَرَضٌ آخر بذِكْرِ الحمامِ إلاَّ يسيرًا، معَ ألفاظٍ تُعبِّرُ عن البهجةِ، والسُّرورِ؛ مِن شَدْوٍ مُطرِبٍ، وطَوْقٍ مؤنقٍ، وغُصْنٍ مورقٍ.
ـ[عبد الله التميمي]ــــــــ[08 - 02 - 2010, 09:14 م]ـ
ما شاء الله ...
والله لقد أمتعني الموضوع
وفي الحقيقة هذا ملاحظ على غير أسامة
فهذا قيس بن الملوح (مجنون ليلى) يقول في قصيدة من أجمل ما نسب له
الحمام الباكي
هَوَى صَاحِبي رِيحَ الشَّمالِ إذا جَرَتْ ... وَأهْوَى لِنَفْسِي أنْ تهُبَّ جَنُوبُ
فوَيْلي عَلَى الْعُذَّالِ مَا يَتْرُكُونني ... بِغمِّي، أما في العَاذِلِين لبِيبُ
يقُولُونَ لَوْ عَزَّيتَ قَلْبَكَ لارْعَوَى ... فَقلْتُ وَهَلْ لِلعَاشقِينَ قُلُوبُ
دَعَانِي الْهَوَى والشَّوقُ لمَّا تَرنَّمَتْ ... هَتُوفُ الضُّحَى بَيْنَ الْغُصُونِ طرُوبُ
تُجَاوِبُ وُرْقاً إذْ أصَخْنَ لِصَوْتِهَا ... فَكُلٌّ لِكُلٍّ مُسْعِدٌ وَمُجيبُ
فَقُلْتُ حَمَامَ الأَيْكِ مَالَكَ بَاكِياً ... أَفارَقْتَ إلْفاً أَمْ جَفاكَ حَبِيبُ
فقال رَماني الدَّهرُ مِنْهُ بِقوسِهِ ... وَأَعْرَضَ إلْفِي فالفُؤادُ يَذوبُ
تُذكِّرُنِي لَيْلَى عَلَى بُعْدِ دَارِهًا ... وَلَيْلَى قَتُولٌ للرِّجالِ خَلوبُ
وقد رَابَنِي أنَّ الصَّبَا لاَ تُجِيبُني ... وَقَدْ كَانَ يَدْعُونِي الصَّبَا فَأُجيبُ
سَبَى القلْبَ إلاَّ أنَّ فيهِ تَخلُّداً ... غَزالٌ بِأعْلَى المَاتِحَيْن رَبيبُ
فَكَلِّمْ غَزَالَ المَاتِحَيْنِ فَإنَّهُ ... بِدَائِي وإنْ لَمْ يَشْفِنِي لَطَبِيبُ
أُردِّدُ عَنْكَ النَّفسَ والنَّفسُ صَبَّةٌ ... بِذِكْرِكَ والمَمْشَى إِلَيكَ قَريبُ
فَدُومِي عَلَى عَهْدٍ فَلَسْتُ بِزَائِلٍ ... عَنِ العهْدِ مِنْكُمْ مَا أَقامَ عَسِيبُ
حلفْتُ لها بالمشْعَرَين وزمزَمٍ ... وذو العرش فوق المُقْسِمِينَ رقيبُ
لئِنْ كان بَرْدُ الماءِ حرَّانَ صادياً ... إليَّ حبيباً إنها لَحَبِيبُ
وإنَّي لآتيها وَفِي النَّفْسِ هَجْرُها ... بتاتاً لأُخْرى الدَّهْرَ أو لتُثِيبُ
فما هُوَ إلاَّ أن أراها فجاءَةً ... فأبْهَتُ حتَّى ما أَكادُ أُجِيبُ
وله أبيات أخرى عن الحمام أذكرها في منازعة قادمة إن شاء الله
¥