ولا يتوقف الأمر هنا، فبنظرة سريعة نقف على ملمح آخر لقدرة الشاعر ومقدراته، وهو أن التنوع لم يكن حكرا على موضوعاته ولكنه امتد إلى قوالبه الذي أتقن التعامل معها جميعا بحاسة شعرية عالية يرفدها عالم كامل من القراءات الأدبية والثقافة الموسوعية والاطلاع الكبير على مشهد الشعر في مختلف مراحله، الأمر الذي يحيلنا مباشرة لابن إدريس الناقد الرصين ذي النظرة الواسعة والخبرة الطويلة، يحيلنا إلى «شعراء نجد المعاصرون» وهو كتابه المفصلي الذي لم يوجد ما يماثله في نوعه وموضوعه حتى الآن.
الشاعر المثقف يملك دوافع ومكتسبات أكثر ليمنحك نصاً جميلاً، عبارة كهذه يمكن تطبيقها بوضوح في حالة ابن إدريس، ففي قصائده التي واكبت فترات مختلفة من ظروف الصراع في المنطقة العربية، لا تقرأ عملا مكتفيا بعاطفية الدافع ولكنك تكون أمام ما يشبه تحليلا سياسيا ورصدا تاريخيا لمواقف عدة تحيط بموضوع القصيدة وقضيتها، وهو الأمر الذي يجعل الشاعر يخاطب عقل المتلقي وقلبه في الوقت نفسه وضمن قالب من جزالة المعنى وقوة عرض الفكرة وإحكام مقتضيات الكتابة الفنية.
في جانب آخر، تقوم التجربة الشعرية لعبدالله بن إدريس على قوالب متنوعة تضمنت الإبحار في مختلف الأشكال العروضية وبتوظيف فريد للفكرة ضمن البحر الشعري الذي يصل بها بأفضل طريقة لمرفأ التلقي، فبين الطويل والبسيط والمتدارك والموشح تجد نفسك في نبرة أدائية متجددة تقودها موهبة عالية، تكتشف أنها أيضا بدأت كتابة القصيدة الحديثة في وقت مبكر بالقياس إلى عمرها الزمني الذي عرفها خلاله الوسط الأدبي المعاصر، ففي الأعمال الكاملة للشاعر ستجد قصيدة التفعيلة وأسلوب الحداثة الشعرية في نصوص يعود تاريخها إلى أكثر من 50 عاماً، وهو مايعني أن ابن إدريس كتب شعرا سبق زمنه على مستوى التجديد، ولم يكتف بذلك ولكنه أجاد فيه بطريقة تجعله قابلا للقراءة خارج الزمن.
إنه شاعر الأكثر من نص داخل القصيدة، وأديب الأكثر من اتجاه داخل الموضوع، ومفكر الأكثر من قضية داخل السياق، هكذا تقول أعماله الكاملة حين تضع تجربته بين يدينا، فلا نتدارك غزارتها دون ان يستوقفنا عمقها، ولا نستسلم لتشويقها دون أن يتملكنا أسلوبها، وهكذا تصبح دورة القراءة في الطبيعة الذهنية أمرا بالغ المتعة أمام ديوان كهذا، ويصبح تلمس إبداع مرحلة كاملة ممكنا في شخص واحد هو الشاعر عبدالله بن إدريس.
أدباء ونقاد يجمعون على تفرد مدرسته الشعرية
http://www.aleqt.com/a/small/be/bee809d99999dcafc30806621e70ad8f_w424_h200.jpg (http://www.aleqt.com/a/402400_108755.jpg)
غلاف الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الكبير
اتفق عدد من أبرز النقاد على أن تجربة الشاعر عبد الله بن إدريس مثلت مرحلة مهمة في تاريخ الأدب المحلي متناولين بعضا من خصائصها الفنية والثقافية التي تجعلها مشروعا قابلا دائما لقراءات نقدية متعمقة.
الدكتور محمد الربيع الناقد المعروف عضو مجمع اللغة العربية والرئيس الأسبق للنادي الأدبي تحدث قائلا «عندما بدأ عبد الله بن إدريس في نشر قصائده كان ظاهرة جديدة بالنسبة لشعراء وقته، ولاسيما أنه ينطلق من خلفية شرعية على مستويي التربية والدراسة لكنه كان رغم ذلك منفتحا في قراءاته واطلاعه على نماذج أدبية عدة كأدب المهجر وبدايات التحديث الشعري في تلك المرحلة، وهو ما انعكس على شعره فجاء بصورة مغايرة مختلفة عما كان سائدا في جيله ومحيطه».
يشير الربيّع وهو كذلك المشرف العام على قاموس الأدب والأدباء إلى أن بوادر التجديد ميزت تجربة عبد الله بن إدريس الشعرية من خلال اللغة والأسلوب والصور، ويضيف» رغم أنه من رواد المدرسة القديمة لكنه كان من شعراء التجديد وذلك لامتلاكه العمق الثقافي والفني في الكتابة، إضافة إلى أنه يعد رائدا في التأليف وذلك من خلال كتابه الشهير «شعراء نجد المعاصرون».
¥