ملتقي اهل اللغه (صفحة 5270)

ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير ولم أقل ما أقول فيه إلا عن تنقيب وتنقير

فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه أطاعته أعنّة الكلام وكان قوله في البلاغة ما قالت حَذام

فخذ مني في ذلك قول حكيم وتعلم ففوق كل ذي علم عليم

وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى وأراد أن يَشْعُرَ فَغَنَّى ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق فبينا يكون في شَظَفِ نجد إذ تشبث بريفِ العراق

وسئل أبو الطيب المتنبي عنه وعن أبي تمام وعن نفسه فقال أنا وأبو تمام حكيمان والشاعر البحتري

ولعمري إنه أنصف في حكمه وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بُعْدَ المَرَام مع قُربه إلى الإفهام وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقى في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية.

وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فُقصرَت عنه خُطاه، ولم يُعطه الشعر من قِياده ما أعطاه،لكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال واختص بالإبداع في وصف مواقف القتال، وأنا أقول قولا لست فيه متأثما ولا منه متلثما وذاك أنه إذا خاض في [وصف معركة كان لسانه] (1) أمضى من نِصالها وأشجع من أبطالها وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها حتى تظن الفريقين قد تقابلا والسلاحين قد تواصلا فطريقه في ذلك تضل بسالكه وتقوم بعذر تاركه ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة ابن حمدان فيصف لسانه ما أدى إليه عِيانه

ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن سنن التوسط فإما مُفرِّط في وصفه وإما مُفْرِط وهو وإن انفرد بطريق صار أبا عُذْرِه فإن سعادة الرجل كانت أكبر من شعره

وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء ومهما وصف به فهو فوق الوصف وفوق الإطراء ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة:

(لا تَطْلُبَنَّ كَرِيماً بَعْدَ رُؤْيَتِهِ ... إن الْكِرَامَ بِأَسْخَاهمْ يَداً خُتِمُوا)

(وَلا تُبَالِ بِشِعْرٍ بَعْدَ شَاعِرِهِ ... قَدْ أَُفْسِدَ الْقَوْلُ حَتَّى أُحْمِدَ الصَّمَمُ)

..... إلى أن قال:

ولسائل ههنا أن يسأل ويقول لم عدلت إلى شعر هؤلاء الثلاثة دون غيرهم؟

فأقول إني لم أعدل إليهم اتفاقا وإنما عدلت إليهم نظرا واجتهادا وذلك أني وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم أترك ديوانا لشاعر مفلق يثبت شعره على المحل إلا وعرضته على نظري

فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي الطيب للمعاني الدقيقة ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض والمقاصد

ولم أجد أحسن تهذيبا للألفاظ من أبي عبادة ولا أنقش ديباجة ولا أبهج سبكا فاخترت حينئذ دواوينهم لاشتمالها على محاسن الطرفين من المعاني والألفاظ ولما حفظتها ألغيت ما سواها مع ما بقي على خاطري من غيرها". ا. هـ

ــــ

(1) حصل هنا خلل في ترتيب الكلمات في طبعة الحوفي وطبانة وأصلحته من طبعة عبد الحميد (التي في الشاملة).

ـ[أمجد الفلسطيني]ــــــــ[25 - 12 - 2010, 10:27 م]ـ

وقال البديعي في الصبح المنبي ص177:

"قد أجمع أعلام العلم وفرسان النثر والنظم على أن هؤلاء الثلاثة ذللوا جَموح الآداب وشَموسها، وأطلعوا أقمارها وشموسها، وهم أصول الأدب وفروعه، ومعدِتُه ويَنبوعَه، وإلى كلامهم تميل الطباع، وعلى أبياتهم تقف الخواطر والأسماع، وثمرات البدائع منهم تجتني، وذخائر البراعة من غرائبهم تقتني".ا. هـ

ثم ذكر كلام ابن الأثير وغيره

ـ[ابن فلسطين]ــــــــ[28 - 12 - 2010, 08:49 م]ـ

أحسنتم

ـ[محب العربية]ــــــــ[02 - 01 - 2011, 02:22 م]ـ

جزاكم الله خيراً.

ـ[أبو عدي]ــــــــ[26 - 04 - 2011, 02:02 ص]ـ

لقد استفدت من هذا الموضوع كثيرا. فجزى الله السائل وكل من أجاب خيرا.

ـ[رابح قاسم الصديق]ــــــــ[27 - 04 - 2011, 11:55 م]ـ

موضوع غاية في الروعة قمة في الطرح روعة في النسق العرضي

ـ[ابن أيمن الصرفي]ــــــــ[27 - 08 - 2011, 05:49 م]ـ

مع أني لست أهلا لأعلق شيئا متعلقا بعلم الأدب وكتبه الا أن الاستاذ شاكر قال عن نفسه حفظت ديوان المتنبي والمعلقات العشر. والله يعلم ربما أخفى كتبا اخرى تواضعا.!!

ـ[الحريري]ــــــــ[05 - 09 - 2011, 01:57 م]ـ

بارك الله فيكم

وديوان المتنبي لا يستحق أن يحفظ كاملا، ولكن المختار الجيد من شعره.

وقول الخوارزمي الذي نقلته الأخت عائشة جيد في الجملة، وزد عليه: أشعار ذي الرمة في الحب والفلوات، وغزليات ابن أبي ربيعة والمجنون، وبدائع المعري في اللزوميات، وملاحم شوقي البديعة، كالقصيدة الفخمة التي أولها:

همت الفلك واحتواها الماء .. وحداها بمن تقل الرجاء

ـ[ابن سالم]ــــــــ[24 - 09 - 2011, 08:56 م]ـ

البسملة1

إلى الأحبة في هذا الملتقى:

إني في ابتداء حفظ الأشعار , لكني لا أدري ما الأحسن في ذلك أحفظ البيتين والثلاثة -كالأبيات التي في التمثل والاستشهادات - أم حفظ القصيدة كاملة؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015