وما نحن فيه أقرب إلى المدارسة التي يكون فيها أخذ ورد، وقد يفوت على المرء فيها أشياء، أما من أراد أن يصنف كتابا ويبثه في الناس فلا بد أن يعطيه حظه من النظر، لأن الخطأ فيه يصعب تداركه.
ولعله ثبت إن شاء الله أن قوله: "وَيَشُدُّ حَادِيَهَا" صوابه: "وَتَسُدُّ حَاذَيْها".
أما قوله: "بحبل كامل"، فلعلي أعود إليه إن شاء الله.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[29 - 11 - 2010, 09:26 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
قد ذكرتُ في كلامي أني أرى قوله: "بِحَبْلٍ كامل" مُصحَّف وصوابه: "بِجَثْلٍ كامل" وقد بينت من قبل معنى الجثل.
ثم خشيت أن يكون الحبل قد جاء في كلامهم وصفا يصح أن يوصف الذنب به في مثل هذا الموضع، فنظرت في اللسان في مادة "حبل" فما وجدت فيها على طولها شيئا يصلح لهذا الموضع، فلم يبق إلا أن يكون قد شبه الذنب بالحبل المعروف كما قال أخي الأستاذ منصور مهران، وأنا أستبعد هذا ولا أحسب أن شاعرا محسنا يقوله وأرجح أن صوابها: "بِجَثْلٍ" لأربعة أمور:
أولاً: أن الشاعر يريد أن يخبر عن ذنبها أنه يسد ما بين قوائمها ويملؤه، وهذا يناسب أن يصف ذنبها بأنه "جثل" أي كثير الشعر، لأن ذلك أدل على ما يريده من معنى، فإن الذنب إذا كان كذلك كانت مواراته لذلك الموضع أكبر، وكذلك المخبل السعدي لما قال: "وتسد حاذيها" قال بعده: "بذي خُصَل" يريد خصل الشعر. أما الحبل فلا يسوغ أن يشبه الذنب به في هذا الموضع ولو ساغ ذلك في مواضع أخرى، لأن الحبل يكون مفتولا مغارا وليس له أطراف منتشرة.
ثانيا: أن عجز البيت يرجح أن الصواب: "بجثل" وقد أشار إلى هذا أخي الأستاذ منصور مهران وفقه الله. وذلك لأن الحبل لا يشبه عسيب النخل الذي لم يجرد من خوصه بل يشبه عسيب النخل المجرد منه، أما ذنب الناقة إذا كان كثير الشعر وكان الشعر يكتنفه من جانبيه فإنه يشبهه، وكذلك ذنب الناقة يكتنفه الشعر من جانبيه، كما قال طرفة:
كأن جناحي مضرحي تكنفا ** حفافيه شكا في العسيب بمسرد
ثالثا: أني رأيت العرب ينعتون الذنب في أشعارهم بأنه "جثل"، بل ينعتونه بذلك في مثل هذا الموضع إذا أخبروا أنه يسد فرج الناقة، كما قال المثقِّب العبدي وهي في المفضليات:
تسد بدائم الخطران جثل ** خواية فرج مقلات دهين
وليس الفرج هنا حياء الناقة بل هو ما بين قوائمها، كما قال لبيد رضي الله عنه في البقرة الوحشية:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ** مولى المخافة خلفُها وأمامُها
ولا أذكر أني رأيت في شعرهم تشبيهه بالحبل وإن كنت لا أنفي وجوده.
رابعا: أن الشاعر يعدد محاسن ناقته فذكر منها كثرة شعر ذنبها، وهذه طريقة العرب فإنهم يستحسنون ذلك في الإبل كما سبق في بيت المثقب العبدي وبيت طرفة.
ولست أبالي إن كان صوابي فيما قلت أكثر من خطئي، إنما الخوف من الخلة الأخرى.
على أنني راض بأن أحمل الهوى ** وأخلص منه لا علي ولا ليا
والله أعلم، وللحديث تتمة إن شاء الله.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[30 - 11 - 2010, 05:35 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وجدت البيت في التشبيهات لابن أبي عون ص 66 رابع أربعة أبيات لابن المعتز يصف ناقة هكذا:
ويَسُدُّ حاذَيْها بحبلٍ كاملٍ ... كعسيبِ نخلٍ خُوصُهُ لمْ يَنْجَلِ
نقل لنا أخونا الأستاذ منصور مهران هذا النص من كتاب التشبيهات، والكتاب ليس عندي فجزاه الله خيرا. وفيه: "خوصه لم يَنْجَلِ" كما ضبطها الأستاذ منصور.
وجاء عجز البيت في كتاب الأنوار ومحاسن الأشعار طبعة الدكتور السيد محمد يوسف - وهي أصح من الطبعة العراقية - ج 1 ص 373 هكذا:
......................... ... كعسيبِ نَخْلٍ خُوصُهُ لم (يُنْحَلِ)
ولعلها أدق دلالةً من (لم يَنْجَلِ)
وهذا الكتاب أيضا ليس عندي، وجاءت فيه: "لم يُنْحَلِ" كما نقل الأستاذ منصور جزاه الله خيراً.
وأخشى أن هذين الموضعين فيهما خطأ أيضاً، وأن صوابهما ما في ديوان المعاني تحقيق الأستاذ شعلان، فإنه قد جاء فيه: "لم يُنْجَلِ".
والنَّجْل: القطع، ومنه قيل للحديدة ذات الأسنان: مِنجَل. والمِنجَل: ما يُحصد به.
والمعنى: أن هذا العسيب لم يُنْجَل خوصه أي لم يُقطع، والخُوص وَرَقُ النخل واحدته خوصة.
أما "لم يَنْجَلِ" و "لم يُنْحَلِ" فلا أرى لهما وجهاً، والله أعلم.
ـ[منصور مهران]ــــــــ[30 - 11 - 2010, 09:09 م]ـ
شكر الله لأخي الأستاذ الكهلاني لما أفادنيه فلا يزال المرء يتعلم ما بقية حُشاشة في أنفاسه.
وشكر الله له طُوى إذ أتاح لي فرصة مناقشته،
وأسأل الله أن يجعل مناقشتنا كما قال الأستاذ الكهلاني - مستشهدا -:
(وأخلص منه لا علي ولا ليا)
ـ[عمار الخطيب]ــــــــ[01 - 12 - 2010, 07:32 ص]ـ
أخي الأستاذ الكهلاني،
استدراكات نافعة، وفوائد ماتعة ... جزاكَ الله خيرا، وبارك الله فيك، وفي عِلْمك.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[01 - 12 - 2010, 08:27 ص]ـ
أخي الأستاذ منصور مهران جزاك الله خيرا وبارك فيك، وأرجو أن تستمر معنا ولا تُخلي الحديث من تعليقاتك النافعة.
أخي الأستاذ عمار الخطيب بارك الله فيك، وأشكركم على تصدير هذا الحديث وأرجو أن نكون عند حسن ظنكم.
¥