وعَمَرْتُ حَرْسا قبل مجرى داحس ** لو كان للنفس اللجوج خلودُ
وأنشد محمد بن سلام كلمة جرير:
لئن عَمِرَتْ تيم زمانا بِغِرَّة ** لقد حديت تيمٌ حُداء عصبصبا"
وكذلك هي في طبقات فحول الشعراء الذي نقل عنه اللسان، وفي البيان والتبيين بتحقيق هارون.
وهذا الموضع كنت أريد أن أنبه عليه، وما ذكره أخي الأستاذ المجد المالكي من أن الوزن والمعنى يحتملان هذا وهذا، حق لا مرية فيه.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[10 - 01 - 2011, 03:24 م]ـ
أما الموضع الثاني فقوله: بِغِرَّةٍ، والذي نقله أخي الكريم الأستاذ المجد المالكي عن كتاب أخبار أبي تمام، وهو: بِعِزَّةٍ، لا أراه صحيحا، فإن هذا يقوله جرير بعد ما هجا بني تيم، فما كان ليذكر بعد هجائه لهم أنهم كانوا أعزة، وأنهم بقوا على ذلك دهرا طويلا!
وصوابه بغِرَّة كما في طبقات فحول الشعراء الذي نقل عنه اللسان، وفي البيان والتبيين بتحقيق هارون رحمه الله.
وقد يقال: كيف قال جرير "بغِرَّة" في البيت الأول ثم كررها بلفظها ومعناها في البيت الثاني؟
ويجاب عن ذلك بأن هذا ليس عيبا ما دام ليس في قافية البيت، على أن هاتين اللفظتين وإن كان أصل معناهما واحدا وهو الغفلة، فإن بينهما في البيتين فرقا ظاهرا لمن تأملهما.
فالغِرَّة في قوله:
لئن عمرت تيم زمانا بغرَّة ** لقد حديت تيم حداء عصبصبا
صفة ملازمة للإنسان أوتبقى معه زمانا طويلا، ألا تراه يخبر أنهم بقوا كذلك دهرا طويلا، وهذه كغِرَّة الصبي الذي لم يجرب ولم يمارس، وكالغِرَّة التي تكون في بعض الناس ملازمة لهم، وأصحاب هذه الحال أَروَح من غيرهم، وعيشهم هنيء، ألا ترى أن الصبيان لا يحملون من الهم ما يحمله آباؤهم، وكذلك من كان مثلهم في الغِرَّة من الرجال. والعرب تقول في مثل: الغِرَّةُ تجلب الدِّرَّة، أي: الغفلة تجلب الرزق، وقريب منه قول المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ** وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ
ومعنى بيت جرير: أن بني التيم عمروا زمانا في سلامة وعافية وعيش غرير، لا تغمهم الشدائد والأهوال، حتى تسلَّط عليهم ونكَّل بهم، والله أعلم.
أما الغِرَّة في البيت الثاني فليست من هذا، وإنما هي حال يكون فيها الإنسان وقتا قصيرا، فلا يشعر ببعض الأشياء، وقد يحصل هذا لأفطن الناس، يقال: استغرَّ فلانا: أي أتاه على غفلة. (انظر القاموس) واغترَّه أي أتاه على غِرَّة منه. (انظر اللسان)، أي: وهو لا يشعر به.
وهذا - والله أعلم - هو المقصود في بيت جرير:
فلا يضغمنَّ الليث عكلا بغِرَّة ** وعكل يشمون الفريس المنيَّبا
أي في حال غفلتهم عنه وهم لا يشعرون به، والله أعلم.
وهذا اجتهاد مني من باب المدارسة والمشاركة، ولست أغضب إن خالفتموني فيه، بل يسرني أن أعرف الصواب لأتبعه، وجزاكم الله خيرا.
ـ[محمد بن إبراهيم]ــــــــ[15 - 01 - 2011, 09:48 ص]ـ
زادكم الله توفيقًا وسدادا.
ويؤيد ما رجحتم أن البيتين غير متواليين، فأحدهما في أول القصيدة، والآخَر في آخِرها.
هذا، وقد أشار المحققون إلى هذه الرواية، وضبطوها هكذا (بغُرة)، فلعله سبق قلم، وبمثل قولكم قال أبو فهر في تحقيق طبقات ابن سلام، قال-رحمه الله-: (والغِرة: الغفلة، إنما أراد نعمة العيش وخلوه من النوائب، وكذلك (عيش غرير) أبله ناعم، لا يفزع أهله.) اهـ
ـ[محب]ــــــــ[28 - 09 - 2011, 03:51 م]ـ
ما أحسن هذه الفوائد، وفقكم الله.