ملتقي اهل اللغه (صفحة 5102)

فلا تذهب بك الظنون كل مذهب، ولا تظلم أخاك، فإنني ما نقدت الكتاب المذكور إلا غيرة على شعر العرب، وعلى العلم أن يُمتهن، وبالله التوفيق.

ما تركتَ لذي ظنٍّ بعد هذا موضعًا لإساءة الظنّ. والبحث عن الحقيقة غاية لا تُبْلغ بالهوى والمُنى ولا بالعنصرية المكانية أو القبلية.

وأما ما يعمد إليه بعض المؤلفين - هداهم الله - من توقيع أسماء المواضع المتشابهة في الاشتقاق المختلفة في التركيب على مواضع بعينها فهي من اعتساف النصوص وإحالتها إلى كوارث ذهنية ينأى عن قبولها الإدراك المكاني والتحليل الفِطري السليم.

وأما حديث الشنفرى ونسبته إلى الحجر أو إلى زهران، فإن لكل فريق مسوغاته، ولا يمكن أن ينظر فيها إلى جانب وتهمل جوانب أخرى، فالمعلومات النسَبية والمكانية واللفظية كلها تشترك في الإبلاغ عن بيئة الشنفرى. ولقد قرأتُ في بعض المنتديات ما يُشعرني بأن المجتمع كله محتاج إلى تنقية الأذهان من ترسيب العنصرية المكانية والقبلية، فإن يكن عنترة بن شداد شجاعا معروفا فليس من المقبول أن نجد له قبرين في موضعين متباعدين وأن يكون طول قبره خمسة أمتار، وأن يصل قبر الشنفرى إلى عشرين مترا، وحين يُقتل في موضع فكيف يُنقل إلى بلاد دوسٍ وما هي الوسيلة أو الراحلة التي نقلت ذا العشرين مترا.

إن كثيرا من الكُتاب يظنون إلى درجة اليقين بأن جزيرة العرب لقبيلتهم تذهب في أرجائها كيف تشاء، ولها وجود (تِقني) في شمال الجزيرة وغربها وجنوبها ووسطها وشرقها لا يردعها رادع، ولكن عندما يتقلص الإرث الاجتماعي فينحصر في بقعة محدودة فإن أجداث مشاهيرهم تُنقل إلى بلادهم على كف عفريت!

ولدينا من التنافر الفكري ما يدعيه كل قوم بأن أحداث حرب البسوس جرت عندهم، فهي في الجنوب وهي في الجنوب الغربي قرب قنونا وهي في الوسط قرب عفيف وهي في الشمال الأدنى قرب سَميراء، ثم - بعيدًا عن ذلك كله - يقولون إن قبر كليب في جبل النير في نجد!

هذا أنموذج لا يصح أن يُعول عليه.

ومن يقرأ أيام العرب في الجاهلية، ثم يوقعها على أماكن بعينها ير التضاد الكبير، وما عليه إلا أن يعيد قراءتها ليوقع مواضعها على أماكن أخرى تكون أقرب إلى الائتلاف آخذا بعين الحسبان منازل القبائل آنئذ.

الكلام يطول والحديث ذو شجون ولكن اضطراري إلى اللحاق بالدوام الرسمي يجعلني أكتفي بما قلت.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[09 - 12 - 2013, 07:09 ص]ـ

سبحان الله! أهذا أخونا وحبيبنا سعد الماضي بشحمه ولحمه؟ كم اشتقنا إلى كتاباتكم وأدبكم، وأخص تعليقاتكم الجغرافية المفيدة الممتعة، زادكم الله علما، ونفعنا بكم.

ـ[سعد الماضي]ــــــــ[09 - 12 - 2013, 07:09 ص]ـ

من يتأمل في قول الشنفرى:

كأن قد فلا يغررك مني تمكثي * سلكت طريقاً بين يربغ فالسرد

ثم يقول إن "السرد" تصحيف "السود" فإنه يسيء إلى الشعر؛ لأن القافية على مثل هذا الروي نادرة في شعر العرب ولا تقال إلا في بيت أو بيتين. ثم ما الذي لا يجعل السرد موضعا صحيحا دونما حاجة إلى ادعاء التصحيف!

ـ[سعد الماضي]ــــــــ[09 - 12 - 2013, 09:56 ص]ـ

سبحان الله! أهذا أخونا وحبيبنا سعد الماضي بشحمه ولحمه؟ كم اشتقنا إلى كتاباتكم وأدبكم، وأخص تعليقاتكم الجغرافية المفيدة الممتعة، زادكم الله علما، ونفعنا بكم.

أجل! إنه هو ..

أخي الكريم: ما زلت عاكفا على تحقيق كتاب لغدة الأصفهاني المسمى "بلاد العرب" وقد شارف على نهايته في ثلاثة أشهر أو نحو ذلك بإذن الله تعالى.

وأما موضوع الشنفرى والذي قرأت عنه خلال يومين، فإنه أصبح ميدان رهان كداحس والغبراء، من سَبق فيها ظُلِم ومن ظَلم فيها ساد وفرّق بين العباد.

إن دراسة شعر الشنفرى وأضرابه من العدائين بحاجة إلى تضافر الجهود بمعزل عن العنصرية والادعاء، فإذا رسمت لشعره خريطة طريق عرفت موضعه وأقنعت الآخرين، وإن كانت الصورة في ذهني واضحة.

ولا نغفل عن استقراء الشعر الموضوع والذي يتبين من قراءته خلل في طويّه كالبئر التي انهار جانب منها فأعيد طيّها فعرف الناس حد القديم الجيد من الحديث المصطنع.

ولقد اشتريت قبل سنتين من نادي القصيم الأدبي كتابا عن بحوث ندوة عنترة بن شداد، ظنًّا مني بأن هناك من أدعياء الأدب من لا يزال يصدّق أو يدافع عن بعض الأساطير كحصاة عنتر ونصلة عنتر، ولكني أكبرت بحوث الندوة التي ضربت بهذه الترّهات عرض الحائط، ويبقى اسم حصاة عنتر رمزا لتفكير الأقدمين ولا غير ذلك.

ها هو الشنفرى من خلال إطلالة على شعره يحفظ جزءا من مواضع جزيرة العرب من ما أهملته كتب علم البلدان، ولعلي بإذن الله وتوفيقه أميط اللثام عن إرث تاريخي أدبي عظيم في بلدان جنوبي نجد ونجران وعسير، جنت عليه أيدي الشُّرّاح وكُتّاب عصر التدوين.

وسلام الله عليكم وأرجو من الله تعالى أن نلتقي.

ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[09 - 12 - 2013, 03:51 م]ـ

وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته.

يسر الله لكم، وأتم تحقيقكم على خير.

وإنا لننتظره على مثل الجمر، وتتطلع نفوسنا إلى مطالعته، وأنتم من أكفأ من يتصدى لتحقيق كتب البلدان، نحسبكم كذلك.

ونتشوق جدا إلى ما ذكرتم من الكشف عن إرث أدبي عظيم خفي على الناس أمرُه، وأعياهم سِرُّه، وما أحوجنا إلى علماء أفذاذ يدققون وينقبون ويمحصون، فأعانكم الله على تحقيق مَرامِكُم، ويسَّر لكم الخُلوص بعد بَذركم إلى صِرامِكُم، ولعل الله يمكننا من جَزلِكُم كما أمكنَنا من ضِرامِكُم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015