ملتقي اهل اللغه (صفحة 5019)

البحر فيأتىَ منه بما يشاء ثم يذهب به إلى السوق فيحصل على ما يريد من نفقة وربما فوق ما يريد فكان من الرأى عندى أن أترك الزرع والحرث وأن أشترى بما جمعت من مال فلكاً أستعملها فى الصيد فإن بقى من ثمنها شئ بعت هذه الدواب فلم تعد تغنى شيئاً ولم نعد فى حاجة إليها ثم يصير أمرى إلى أن أصبح صياداً وربما صرت باجتهادى كبير البحْرِيين.

فلما سمعت زوجه هذا الكلام فزعت وقالت له: يا فلان لقد سمعتُ ما قلتَ وقد علمتَ مكانك من نفسى وإنك ربما أحسنت المقال وأجدت الجدال ولكن ربما زينت لك نفسُك الشبهةَ حتى ظننتها حجة وإن الفعال غير المقال والحقيقة دون الخيال وقد قالت العلماء: ليس كل من أحسن القول أجاد العمل ولا تكون الشبهةُ حجةً حتى يكون عليها من البينات ما هو كالشمس. وإنى لا أرى معك من بينة بل هو ما سولته لك نفسك وزينته حين نظرت إلى السماكين فطفقت تسفه عمل آبائك وأجدادك وما يدريك فلعل عناءهم فوق عنائك وشقاءهم فوق شقائك وكيف لا؟ وهم إنما يركبون البحر ويصارعون الموج وربما لقواْ منه فوق ما تلقى من الحرث والزرع فتريث فى أمرك وتثبت من نظرك فربما أخطأت النظر أو نظرت بعين واحدة فإنى أخشى أن تكون كالغراب الأبقع حين رأى الطيور المهاجرة.

قال الرجل: وكيف كان ذلك؟

قالت المرأة: زعموا أن جماعة من الغربان كانت بأيكة بأرض كذا وكذا وكان لها ملك يقال له دِعْلَج = وكان – فيما زعمواْ - حكيما حازما عليما ببواطن الأمور = وكانت تمر بأيكتهم جماعة الطيور المهاجرة فى كل موسم كأنها المُزن تملأ السماء وتشق الهواء بمرأى عجب كأحسن ما أنت راءٍ طيراً مِرْآةً فكان إذا حان وقت عبورها أمر دعلج الغربان بالبقاء فى أيكتها وربما أمرها ببعض الأعمال داخل الأيكة حذرا من أن يُفْتَن بها أحد من غربانه فإن العلماء قد قالوا: من تعرَّض للغواية غوى ومن تعرض للفتن فُتِن ومن اتقى الشبهات سلم. وكان فى جماعة الغربان غراب أبقعُ حدثُ الأسنان سفيهُ الأحلام كثيرُ الشكاية سريعُ الغواية قال لصديق له يوما حين رأى الطيور المهاجرة: ما أرى دعلج إلا ينهانا عن أن نكون كهذه الطير السائحة فى الأرض كما تشاء السابحة فى السماء بغير شقاء وإنما نحن طير كالطير نطير فى الفضاء ونمشى على الأرض وما أرى فرقاً بيننا وبينها إلا ما كبلنا به دعلج وألزمنا به من الأعمال ثم لا يكون طعامنا بعد ذلك إلا الجرذان والجيف فما لنا نرضى بالدنية والهوان ونحن يمكننا أن نفعل كما تفعلُ هذه الطيور المهاجرة فنتمتع بالسياحة فى البلاد ونرى الغرائب والعجائب ونأكل أطيب الطعام. وإن تعجب فعجب أمر هؤلاء الغربان الذين يعانون الشدائد فى الحصول على جيفة أو يقاتلون البوم فى الحصول على جرذ، والكون أمامهم فسيح ولكنهم لا يقنعون إلا أن يكونوا كآبائهم وأجدادهم فى أماكنهم دائمون وعلى آثارهم مقتدون فلبئس ما يفعلون. فقال له صاحبه: حسبك فما أعظم جرأتك على الأمير وما أقبح ما رميت به ما سلف من الغربان وما بقى منها وهل أنت إلا غراب من الغربان وإن غرتك الأمانى وإن الأُلَىا حَقَرْتَ فعالها وحقرتها لمنها آباؤك وأجدادك وإخوانك وعشيرتك أتراك إن مشيت على الأرض صرت نمرا، أو طرت فى السماء صرت نسرا، فالزم غرزك واقدر قدرك وقد قالت العلماء: العاقل من نظر فى ظواهر الأمور وبواطنها والغافل من نظر فى ظواهرها وغفل عن بواطنها والسفيه الجاهل من لم ينظر فى شئ منها.

ثم إن الغراب الأبقع لم يلق بالاً لمقالة صديقه فتركه والتمس حيلة حتى خرج إلى الطيور المهاجرة وذهب معها يطير بطيرها وينزل بنزولها فالتفت إليه أحدها وقال له: مالى أراك أيها الغراب الأبقع تركت عشيرتك وهجرت وطنك أفتُراكَ قد ضللت الطريق؟ أم أخطأت النظر حين تبعتنا فظننتنا غربانا؟ ً

فقال الغراب الأبلق: كل ذلك لم يكن ولكنى رأيتكن تتمعن بالسياحة فى البلاد وتحصلن أطيب الطعام وتأكلن الأسماك وتسبحن فى الماء وتمرحن بالغدو والآصال كما تشأْنَ فأحببت أن أكون كمثلكن وهل أنا وأنتن إلا طيور لكل منا منقار وجناحان فما يمنعنى أن أفعلَ كما تفعلن؟ وهل خلق الله الكون لكن وحدكن؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015