ـ[عمار الخطيب]ــــــــ[11 - 10 - 2012, 10:40 م]ـ
البسملة1
سَأَلْتَنِي – وَفَّقَكَ الله - عَنْ تَارِيخِ الإِمَامِ الطَّبَرِيِّ، فأقول مُسْتَعِينًا بالله:
مِنْ مَصَادِرِ التَّارِيخِ الأَصِيلَةِ الوافيةِ الشَّامِلَةِ كِتَابُ ((تاريخ الرُّسُلِ والْمُلُوكِ)) لاِبْنِ جَرِير الطَّبَريِّ. وَمُؤَلِّفُ هَذَا الكِتابِ إِمَامٌ كَبِيرٌ مَلأَ الدنيا عِلْمًا وَفِقْهًا ... وكان ابنُ جَريرٍ قد أَثْبَتَ في تاريخِهِ كل ما تَجَمَّعَ لَدَيْهِ مِنْ وقائِعَ وأخبارٍ ورواياتٍ مِنْ غَيْرِ تَمْحيصٍ وَتَدْقِيقٍ.
وَقَدَ بَيَّنَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ مَنْهَجَهُ في هذا الكتاب بقوله [تاريخ الطبري 8/ 1]: " فَمَا يكن في كتابي هذا مِنْ خَبَرٍ ذكرناه عن بعض الماضين يَسْتَنْكِرُهُ قارِئُهُ، أو يَسْتَشْنِعُهُ سَامِعُهُ، مِنْ أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليَعْلَمْ أنه لم يُؤْتَ في ذلك مِنْ قِبَلِنا، وإنما أُتِي مِنْ قِبَلِ بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أَدَّيْنَا ذلك على نحو ما أُدِّيَ إلينا ".
وقدْ اعْتَمَدَ ابنُ جَريرٍ في تاريخه على عَدَدٍ مِنَ الإِخْبَارِيِّين كأبي مِخْنَف، لوط بن يحيى، والْعَجِيبُ أَنَّ رِوَاياتِ أبي مخنف هذا بَلَغَتْ في تَاريخِ الطَّبَرِيِّ نحوًا مِنْ 600 رواية! [انظر: يحيى اليحيى: "مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري" ص6]. وأبو مِخْنَف مَطْعُونٌ في عدالتِهِ، مُتَّهَمٌ بالكذبِ والتِّلْفِيقِ! وَمِثله الواقِدِيُّ، والْكَلْبِيُّ وابنه هشام، وغيرهم مِنَ الضُّعَفَاءِ الْمُتَّهَمِينَ بالكذِبِ والْوَضْعِ في الحديث ... وإذا كان بعض هؤلاء لا يَتَوَرَّعُ عَنِ الكَذِبِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف إِذَنْ نَثِقُ برواياتهم وأخبارهم في التاريخ، وبخاصة في ما إذا كان الْمَرْوِيُّ يَتَعَلَّقُ بشيءٍ مِن سيرة الخلفاء الراشدين، وما شَجَرَ بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؟!
وَإِنَّ مِنْ فِتَنِ هذا الزَّمَانِ ظهور أقْوامٍ يَنْظرونَ لتاريخ الطَّبَرِيِّ نظرتهم للصَّحِيحَيْنِ، تَرَاهُمْ يسُوقُونَ الرِّوَايات الْمُنْكَرَة، والأخبار الضَّعيفَةَ الْمُسْتَشْنَعَةَ، فَيَجْعَلونها أَصْلاً َيَبْنُونَ عَلَيْهِ مُقَدِّماتٍ فاسِدَةً، وأَحْكَامًا جائِرَةً. وهؤلاء لا يَتَوَرَّعُون عَنِ الوقوع في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ يسوق رِوَايةَ السَّقِيفَةِ مِنْ طريق أبي مخنف، ثُمَّ يَقُولُ مُعَلِّقًا عَلَيْهَا: "هؤلاءِ طُلاَّبُ دُنْيَا! " يعني الصحابة!
وهذا أَمْرٌ خَطَرُهُ عظيم، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الإمامَ الطبريَّ لَمْ يَشْتَرِطْ الصِّحَّةَ في كِتَابَهِ، وإنَّمَا سَاقَ الرِّوَايات مُسْنَدَةً إلى رُواتِها تارِكًا للقارِئِ حُرِّيَّةَ النَّقْدِ والتَّرْجِيحِ. وَلأَِجْلِ هذا نَقُولُ إنَّ تاريخ الطَّبَرِيِّ لا يَصْلُحُ إلا لطالِبِ عِلْمٍ مُتَمَرِّسٍ لَدَيْهِ القُدْرَةُ على نَقْدِ الرِّوايات وَتَمْحِيصِهَا، واسْتِخْلاص الحقائق التَّاريخية منها بعيدًا عن مُيُولِهِ الفِكْرِيَّةِ وَنَزعَاتِهِ الْمَذْهَبِيَّةِ والسِّيَاسِيِّةِ.
والله أعلم.