ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[03 - 01 - 2013, 06:39 ص]ـ
جزاكم الله خيرا.
هذا المثل تنوزع فيه، ووقع فيه الاختلاف، فرواه جماعة من العلماء بضم الهاء: (فَهُنْ)، والناس اليوم لا يعرفون فيه غير الضم، وأنكر ذلك بعض العلماء، وقالوا: إنما هو بالكسر: (فَهِنْ).
وقد رواه ثعلب في (كتاب الفصيح) بالضم، ورد ذلك عليه أبو إسحاق الزجاج، في أشياء أخرى أنكرها عليه، في مناظرة جرت بينهما، فدونك الجزء الذي فيه مرادنا من المناظرة، قال الزجاج يخاطب أبا العباس:
"وقلتَ: "إذا عزَّ أخوك فهُن"، والكلام: "فَهِنْ"، وهو من هان يَهين [أي: لانَ]، ومنه قيل: هَيّنٌ لَيّنٌ.
لأن هُن من هانَ يَهون من الهوان، والعربُ لا تأمرُ بذلك، ولا معنى هذا فصيح لو قلته.
ومعنى "عزَّ" ليس من العزَّة التي هي مَنَعَةٌ وقُدْرة، وإنما هي من قولك: عزَّ الشيءُ إذا اشتدَّ. [فيكون المعنى: إذا اشتد أخوك فَلِنْ له]
...
قال أبو إسحاق: فما قُرىء عليه كتابُ الفصيح بعد ذلك علْمي ثم سئم بعدُ فأنكر كتابه الفصيح! ".
وقد ردَّ على الزجَّاجِ الجواليقيُّ وابنُ خالويه، وانتصرا لأبي العباس.
ولا أراه إلا كما قال الزجَّاج.
ـ[منصور مهران]ــــــــ[03 - 01 - 2013, 08:09 ص]ـ
أحب مراجعة الأستاذ صالح العمري لأفيد منه فإنه خبير بكلام العرب ولا يدع لك مجالاً إلا إذا حظيت منه بمعنى رفيع أو توجيه جليل
واليوم أراجعه ليحرر لنا ما نقله هنا فقال:
(ولا معنى هذا فصيح لو قلته)
لأني تحيرت فيه أهكذا نقله عن كتاب؟ أم اجتهد في التعبير؟
وعلى كلا الأمرين فلا بد من مراجعته ليبين لي صواب نقله أو تصحيح فهمي، وإني له من الشاكرين.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[04 - 01 - 2013, 12:25 ص]ـ
نفع الله بك يا شيخنا، وقد وصفتَني بما لستُ من أهله، وأنت يا شيخنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب.
أما الكلام فقد نقلته من المزهر للسيوطي، وهو في الجزء الأول ص 206، من طبعة دار التراث بتحقيق محمد أحمد جاد المولى ومحمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، ولم يضبطوا هذا الكلام بشيء، وقالوا في الحاشية: "عبارة معجم الأدباء: ولا معنى لهذا الكلام يصح لو قالته العرب"
أما قوله: "ولا معنى هذا فصيحٌ لو قلتَه"، فإنه لما قال: والعرب لا تأمر بالهوان، قال بعدها: ولا معنى هذا فصيحٌ لو قلتَه، أي: ولو قلتَ هذا الكلام واستسغت أن تأمرَ بالهوان لم يكن معناه جيدا.
فكأنه اعترض عليه بشيئين:
الأول: أن العرب لا تأمر بالهوان، فكيف يقولون: هُن لأخيك؟!
الثاني: أن الكلام لا يكون معناه جيدا وإن استساغ قائله أن يأمر غيره بالهوان.
وكأنه أراد أن هذا المعنى ليس بمقصود ولا معهود عند العرب، فلماذا آمرُ الرجل إذا صار صاحبه عزيزا أن يلتزم هو الهوان؟! وما معنى هذا؟ وما الفائدة منه؟ بل ينبغي أن آمره في مثل هذا أن يتقوى بعز صاحبه، ويشد ظهره به.
فالزجاجي يقول: ضبطك لها بضم الهاء مردود من وجهين:
أحدهما: أن العرب لا تأمر بالهوان.
الثاني: أن أمر الرجل بالهوان والذُّلِّ إذا عزَّ صاحبه ليس معنى معروفا معهودا عند العرب، وعند الحكماء والعقلاء، وليس هذا بكلام رجل حكيم، ولا يستحق هذا الكلام أن يصير مثلا تضربه العرب، ووصية يوصي بها بعضهم بعضا.
قال الزجاجي: وإنما الرواية بكسر الهاء.
والمعنى عليها: إذا اشتد أخوك فَلِن له، وهذا ليس فيه أمر بالهوان، وهو أيضا معنى صحيح معروف معهود في كلام العرب، أن تداري أخاك، وتحتمل غضبه إذا غضب، لأنك لو قابلت شدته بمثلها لانقطع ما كان بينكما، ولا يدوم الإخاء بين اثنين على هذه الحال، بل لا يدوم ما بين الرجل وحنَّته ما لم يحتملها ساعة غضبها، وتحتمله ساعة غضبه.
وعليه قول الرجل الحليم الحكيم الداهية أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: لو كان بيني وبين الناس شعرة أمدها ويمدونها ما انقطعَتْ، قيل: كيف ذلك؟ قال: إذا شدُّوها أرخيتُها، وإذا أرخوها شددتُها.
فضُرب بذلك المثل، فقيل: شعرة معاوية.
هكذا رأيتُ توجيه كلام الزجاجي، وقد أكون مخطئا.
والله أعلم
ـ[منصور مهران]ــــــــ[04 - 01 - 2013, 01:24 ص]ـ
راجعت مصادر هذا المثل وشرحه فبلغت صواب القول في كتاب فصل المقال في شرح كتاب الأمثال لأبي عبي البكري ص 235:
(ولا معنى لهذا الكلام يصح لو قالته) يعني: العرب
وكنت أرجو أن يكون التصحيح من كاتب التعليق، فقد أعذرت من نفسي لما رجوت التصحيح منك يا أخانا الكريم فلما وجدت جوابك غير الذي نؤمله من قلمك أضفت هذا التعليق ولي أمل أن يكون إيضاحاً لا استدراكاً.
وبالله التوفيق
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[04 - 01 - 2013, 01:56 ص]ـ
بارك الله فيك يا شيخنا، ونفع بك.
أنا ما رجحت الرواية التي أثبتها المحققون في صلب كتاب (المزهر) على الرواية التي في (معجم الأدباء) والتي في (فصل المقال)، ولا قلت إنها أولى منهما بالصواب.
وإنما كان سؤالكم عن العبارة التي نقلتُها من أين أتيتُ بها؟ فأخبرتُكم أنها من (المزهر).
وسألتم عن ضبطها، فأخبرتُكم أنهم ما ضبطوها، وضبطتُها كما رأيتم في منازعتي السابقة، فإن كان في الضبط خطأ فأرجو إيقافي عليه.
ثم أردتُ بعد ذلك أن أفسر العبارة كما جاءت، ففسرتُها بما فهمتُه، ولم أتعرض لروايتها أهي أرجح أم التي في (معجم الأدباء).
ولعل اللفظ الذي في (معجم الأدباء) وفي (فصل المقال) أحسن وأوضح، وأنا ما تعرضت لهذا، ولا قايست بينهما وبين لفظ (المزهر).
إنما ذكرتُ المصدر الذي نقلتُ منه، ثم ضبطتُ ما نقلتُه، ثم فسرتُه بما فهمتُه، فإن كنتُ أخطأتُ في شيء من ذلك رجعتُ عنه.
ولكم الشكر الوافر.