وبعد: فقد اطلعت على قصيدة الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله تعالى، فوجدتها معارضة لقصيدة أبي البقاء الرندي ومنسوجة على منوالها كما صرح بذلك الشيخ حفظه الله تعالى في تعليقه، وهي على بحر البسيط، وإيقاعه مختلف عن البحر الذي كتبت عليه قصيدة تخميس الوضاحية، وهو بحر الكامل، فيصعب مع اختلاف إيقاع البحرين قراءة قصيدة الشيخ بنفس أسلوب تخميس الوضاحية.
ولتعذرني الأخت الفاضلة الآن، لانشغالي هذه الأيام، ولعلي إن وجدت فراغا أن أنظر في طلبها.
ـ[(أبو إبراهيم)]ــــــــ[18 - 06 - 2013, 09:35 م]ـ
قال الشيخ البدر حفظه الله تعالى في خاتمة قصيدته:
فَاللهُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ أخْبَرنَافاصل1أنْ بَعْدَ كُلِّ عَسِيْرٍ حَلَّ يُسْرَانُ
وقد أراد بقوله: (يسران) تثنية (يسر)، بين ذلك في تعليقه على البيت، بأنه إشارة إلى آيتي سورة الشرح، وأورد قول الحسن البصري رحمه الله تعالى أنهم كانوا يقولون: لن يغلب عسر يسرين اثنين، ويستدلون بالآيتين.
والإشكال هنا في قوله: (يسرانُ) بضم النون، والأصل في نون المثنى الكسر، فهل يصح ضمها في الشعر ضرورة؟
وقد كنت سألت عن ذلك سابقا في حديث (وبيت نشره ناشر فشطره أيا شاطر)، تعليقا على بيت لي كنت ضممت فيه نون المثنى سهوا، فسئلت عن ذلك، وكان مما قلته في الجواب عن ذلك:
ثانيا: الأصل في حركة نوني التثنية والجمع:
الأصل في نون التثنية: الكسر، والأصل في نون الجمع: الفتح.
قال السيوطي رحمه الله تعالى في (همع الهوامع شرح جمع الجوامع: 1/ 123):
«الشائع في هذه النون الكسر في المثنى والفتح في الجمع، وإنما حركت لالتقاء الساكنين، وخولف بينهما للفرق، وخص كل بما فيه: لخفة المثنى وثقل الكسر، وثقل الجمع وخفة الفتح، فعودل بينهما» اهـ
وورد العكس، واختلف في ذلك:
قال السيوطي رحمه الله تعالى في (همع الهوامع شرح جمع الجوامع: 1/ 123):
«وورد العكس وهو فتحها مع المثنى وكسرها مع الجمع:
ـ فقيل: هو لغة.
ـ وقيل: فتح نون المثنى لغة، وكسر نون الجمع ضرورة.
ـ وقيل كذلك: خاص بحالة الياء فيهما بخلاف حالة الرفع وعليه أبو حيان» اهـ
وأما الضم: فقيل: شاذ لا يقاس عليه، وقيل: لغة في حال الرفع.
قال السيوطي رحمه الله تعالى في (همع الهوامع شرح جمع الجوامع: 1/ 123):
«قال ابن جني: ومن العرب من يضم النون في المثنى وهو من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه وقال الشيباني: ضم نون التثنية لغة.
قال أبو حيان: يعني مع الألف لا مع الياء لأنها شبهت بألف (غضبان) و (عثمان) أنشد المطرز في اليواقيت:
يا أبتا أرَّقني القِذّانُ ..... فالنّوْمَ لا تَطْعَمُهُ الْعَيْنَانُ» اهـ
واختار كونَ الضمِّ لغةً الشيخُ العلامة عبد الغني الدقر في (معجم القواعد العربية ـ ص: 460) فقال: «وضمها بعد الألف لا بعد الياء لغة» وذكر البيت السابق.
ثم قلت في منازعة لاحقة:
والسؤال هنا: إن تركت النون مضمومة، ولم نقل بأن ضم نون التثنية لغة، هل يصح أن يقال: ضمت النون ضرورة؟ وهل يمكن حمل ما ورد في الشعر من ذلك على ذلك؟
وبقي السؤال معلقا دون إجابة، فهل من عروضي مخضرم يتحفنا بالإجابة عنه؟
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[19 - 06 - 2013, 12:26 ص]ـ
بارك الله فيكم.
يقول الشيخ أبو إبراهيم: إن كان ضم النون ليس لغة من لغات العرب، ووجدناه على ذلك في بعض شعر العرب، فهل نحكم على ذلك بأنه ضرورة؟
نقول: نعم، لا شك في ذلك، إن لم تكن تلك لغة من لغات العرب فإن مجيئها في شعر بعضهم ضرورة ولا بد، ولا مفر من ذلك، والمعنى أنه لا يجوز استعمالها في النثر.
لكن السؤال ليس عن مجيئها في شعرهم أضرورة هو أم لا.
وإنما السؤال عن مجيئها في شعرنا أيها المتأخرون، أيجوز ذلك أم لا يجوز، والمعنى أن بعض ما جاء في شعرهم من الضرائر يحفظ ولا يقاس عليه، فلا يجوز لنا أن نفعل مثل ما فعلوا.
فما يجيء في الشعر منقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 - ما يجوز في الشعر والنثر، أي في الضرورة والاختيار، وهذا لا إشكال فيه.
2 - ما يجوز في الشعر دون النثر، فهذا هو باب الضرائر الذي يختص به الشعر، فسوغوا مجيء أشياء في الشعر دون النثر، وفي هذا تفصيل طويل.
3 - ما لا يجوز مطلقا لا في الشعر ولا في النثر، وما سمع منه في شعر القدماء حفظ ولم يقس عليه، ولا تجوز محاكاتهم فيه لا في الشعر ولا في النثر، ومن هذا الباب -مثالا- ما يسمونه بالتثليم، كقول علقمة بن عبدة:
كأن إبريقهم ظبي على شرف * مفدم بسبا الكتان ملثومُ
أراد: بسبائب الكتان، فحذف حرفين، فمثل هذا لا يقاس عليه.
ومثله قول لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان * فتقادمت بالحبس والسوبانِ
أراد: المنازل، فحذف.
وقول إسحاق بن خلف البصري:
ولبس العجاجة والخافقات * تريك المنا برؤوس الأسل
أراد: المنايا، فحذف.
والمقصود أن ضم النون من المثنى مع الألف إن كان لغة من لغات العرب فهو من القسم الأول، يجوز في الشعر والنثر، لأنه لغة من لغاتهم.
وإن لم يكن لغة ثابتة من لغات العرب فهو دائر بين القسمين الآخرين، والمعنى أنه لا يجوز في النثر باتفاق، لكن هل يجوز في الشعر أم لا، هذا موضع يكثر فيه الخلاف عموما، أما في هذه المسألة خصوصا فلا أدري، ولا أذكر الآن أنني رأيتها في كتب الضرائر التي اطلعت عليها إلا أن أكون نسيتها.
وإذا نظرت في كتب الضرائر رأيت الخلاف كثيرا في أشباه هذه المسألة مما جاء في شعرهم ولم يكن لغة من لغات العرب، فيتفقون على منعه في النثر، ويختلفون في تجويزه في الشعر.
ومن أشهر هذه المسائل منع المصروف، فإن الكوفيين يجيزونه في الشعر ضرورة، والبصريون يمنعونه مطلقا في الشعر وغيره، ويحملون ما جاء منه في الشعر على الشذوذ، والراجح قول الكوفيين، لأن منع المصروف كثير في شعر العرب فلا ينبغي حمل ذلك كله على الشذوذ.
لكن أقول: ما دام بعض العلماء ذكر أن ضم نون المثنى مع الألف لغة، فالأمر فيه قريب إن شاء الله.
وقد أرى أنني ما أتيتكم بجواب شاف، ولكني أردت إدخال السرور على نفسي بمدراستكم والاستفادة منكم، ولعل من اطلع من الإخوة على كلام للعلماء في هذه المسألة يتحفنا به.
وجزاكم الله خيرا.
¥