ـ[منذر أبو هواش]ــــــــ[30 - 10 - 2008, 06:33 ص]ـ
الانزياح اللغوي
خطاب الواحد بخطاب الاثنين
للدكتور فاروق مواسي
http://www.bettna.com/books/showbaher.صلى الله عليه وسلمSP?aid=158
نادرة هي اللغات التي تخصص للمثنى صيغًا خاصة في تراكيبها، وخاصة في الأفعال.
وقد جعلت العربية الضمير – الألف مشتركًا للمذكر والمؤنث، ففي قولنا (اِذهبا) فإننا نوجه الأمر للاثنين وكذلك للاثنتين، بالإضافة إلى أن كلا من الضميرين – (هما) و (أنتما) مشتركان، ويلاحظ أن الألف هي دلالة التثنية في الضمائر [1]. ويظل هذا الاشتراك كذلك في المضارع والماضي مع الحفاظ على علامة التأنيث - التاء - للمؤنث، فهما تذهبان وقد نجحتا.
ولما أن كانت اللهجة المحكية قد ألغت هذه الصيغة واعتبرت الاثنين جماعة، فمحمد وأحمد سافروا، وسألتهم: تعبتو؟ ... وأنتم (للاثنين): تفضلوا! فإن هذا التأثير أخذ يتسرب للفصيحة في السرد والحوار في روايات مختلفة، وكذلك في ما اصطلح عليه لغة المثقفين. وهي – من نافلة القول - لا تتوجه للمفرد بأمر المثنى - على غرار ما ورد في نصوص عربية قديمة، كأن نخاطب رجلاً ونقول له: اسمعا! وهذه المسألة هي من الغرابة بمكان، لذا ارتأيت أن تكون هي – بالذات - موضوع الدراسة الذي أتناوله.
من الظواهر التي لا نجد لها تفسيرًا لغويًا هذه الظاهرة التي يؤمر فيها الواحد بأمر الاثنين، كقول الحجاج: يا حرَسيّ! اضرب رأسه! [2]، وثَم استشهاد شعري يتردد في هذا الباب، وهو لسويد بن كراع العكلي:
فإن تزجراني يا ابن عفان أزدجر
وإن تتركاني أحم عرضًا ممنّعا [3]
يقول ابن سلام: وقوله تزجراني، وتتركاني، وإنما يريد واحدًا، وقد تفعل هذا العرب ... [4].
فهل هذا الأسلوب جاء لتحسين الكلام من جهة المعنى، أو أنه جاء لتحسينه من ناحية اللفظ؟
هل هو مجرد جنوح عن الأصل، أو بلغة النقاد المحدثين (اِنزياح) أو (انحراف)؟ [5]
هل الألف هي منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة كما ذهب بعضهم في شرح قفا نبك .. [6]؟
وقبل أن ندخل الموضوع أؤكد أن هناك من يرى أن الخطاب لاثنين، وليس لواحد، وفي كل نموذج أو مثال سأورده ثمة أكثر من تفسير، ولكن همنا هنا أن نقف عند هذا الرأي السائد لدى كثير من أهل اللغة، وهو أن الخطاب جاء لواحد فقط، ويدل على ذلك السياق، فبعد (قفا نبك ...) ورد بيت آخر في المعلقة يبدأ بخطاب (أصاح ترى برقًا أريك وميضه ....) بدليل أن المخاطب هو واحد.
ورد في العقد الفريد: وقال أهل التفسير في قول الله عز وجل – (ألقيا في جهنم كل كفّار عنيد).
إنه إنما أراد واحدًا فثناه، وكذلك قول معاوية للجلواز الذي وكّله برَوح بن زنباع لما اعتذر إليه رَوح واستعطفه: خليا عنه! [7].
ويستعرض البغدادي في مجمل حديثه عن (قفا نبك) أن فيها أقوالا، يذكر منها: أحدها لأكثر أهل اللغة أنه خطاب لرفيق واحد، قالوا لأن العرب تخاطب الواحد بخطاب الاثنين، قال الله تعالى مخاطبًا لمالك: (ألقيا في جهنم ..) [8] ... والعلة فيه أن أقل أعوان الرجل في إبله وماله اثنان ... فجرى كلام الرجل على ما ألف من خطابه لصاحبيه [9].
وثمة قول آخر أورده البغدادي على أنه للمبرد إذ قال: التثنية تأكيد الفعل، والأصل (قف قف)، فلما كان الفعل لا يثنى ثُنّي ضميره.
ولا يغفل البغدادي عن الرأي الذي يرى أن خطاب المثنى هو للمثنى حقيقة، ويقول إنه رأي الزجّاج.
ذكرت آنفًا ما قاله العقد الفريد عن أهل التفسير في مجرى كلامهم عن الآية {ألقيا في جهنم ..} فهذا القرطبي يستشهد بما قاله الخليل والأخفش – إن هذا كلام العرب الفصيح أن تخاطب الواحد بلفظ الاثنين، فتقول: ويلك ارحلاها وازجراها، وخذاه وأطلقاه للواحد، وقال الفراء: تقول للواحد قوما عني [10].
ونحن نلحظ رأي المفسر – القرطبي الموافق ضمنًا لهذه الظاهرة اللغوية - من خلال وصفه ذلك –معتمدًا على الخليل والأخفش بالفصيح (وهو بذلك يرى ما رآه ابن جني [11] من أن ذلك فصيح، وما ارتآه البغدادي بأنه لأكثر أهل اللغة)، ونلحظ هذه الموافقة من خلال استطراده في تقديم الأمثلة.
ثم أن أسلوب المبالغة قد يكون في اللغة متمثلا باستخدام صور التثنية أو الجمع، فابن سلام الجمحي ينبهنا إلى نماذج وردت في الشعر القديم، يقول: وقد تفعل هذا العرب، ويستشهد بأبيات فيها صيغة المثنى للدلالة على المفرد - قال الفرزدق:
¥