ملتقي اهل اللغه (صفحة 4047)

2. القوم: يذكر الخليل إن (القوم) تدلّ على الرّجال دون النّساء مستنداً إلى قوله تعالى " لا يسخر قوم من قوم، عسى أن يكونوا خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن " إذ فهم من قوله تعالى في الآية أن النّساء ليست من القوم (العين:5/ 231)، ولكننا نستطيع أن نفسّر قوله بأن الأغلب يُطلق على الذّكور دون الإناث لأن الأصل التّذكير فأطلق العامّ وأراد به الخاصّ والعامّ، وهذا ما قال به الجوهريّ: " وربما دخل النساء فيه على سبيل التّبع، لان قوم كل نبي رجال ونساء " (الصّحاح 5/ 2016)، ولكن دلالة هذه الكلمة في الاستعمال تدلّ على الجنسين الذّكر والأنثى.

وهذه المفردة تشير إلى أن اللّغة تجري بين أفراد المجتمع الواحد على اختلاف جنسه، وبين أكثر من شخصٍ واحد، وبهذا تكون العمليّة اللّغويّة اجتماعيّة مستندة إلى طرفين رئيسّين هما: المتكلّم والسّامع، أو الطّرف الباثّ والطّرف المستلِم، سواء أكان المستلِم (السّامع) موجود بالحقيقة أم موجود بالافتراض، مثال ذلك: الشّخص الذي يكتب مذكّراته الشّخصيّة ويَملي بها الأوراق ولا يريد أن يطّلع عليها أحد يكون المستلِم افتراضيّاً هو يكوّنه أو يخلقه، وقد يأتي يوم يمتنع العذر الّذي من أجله أسرّ تلك المذكّرات فيظهر المستلِم.

كما تشير هذه المفردة إلى أن لكلّ قوم لغة خاصّة بهم دون غيرهم، وإن سلّمنا بتعدّد اللّغات للأقوام المختلفين نسلّم بأن الألفاظ التّي يلفظها القوم المعيّنون هي ألفاظ منظّمة بقواعد موضوعة من قِبَلهم، فهم يحدّدون المستعمل منها والمهمل، ويضعون الألفاظ ويصطلحون أخرى بما يتلاءم مع متطلّبات مجتمعهم، وبهذا أُجيبَ عن بعض التّساؤلات التّي طرحناها في مفردة (الأصوات).

3. الأغراض: وتعني هذه المفردة لغويّاً القصد أو الهدف الذي يُرمى به، ثم جعلت اسماً لكلّ غاية يُتحرّى إدراكها (يُنظَر: العين 4/ 364، وتاج العروس 10/ 107)، فهي مفردة ذات معنىً واسعٍ شاملٍ يضمّ في طيّاته الكثير من الدّلالات، وكلّ الكائنات الحيّة تملك الأغراض مهما تبلغ نسبة بساطتها أو تعقيدها، فبعض النّباتات تشعر بالخوف من الحيوانات التّي تودّ أكلها فيتكوّن غرض الحماية في داخلها، والحيوانات أغراضها أوضح من أغراض النّباتات وأكثر تطوّراً، فهل لنا أن نعدّ هذه الأغراض شبيهة الأغراض الإنسانيّة أم هناك فيصل في الموضوع؟ الجواب: وان تشابهت الأغراض في مفهومها العامّ فالفيصل موجود، إذ إن الأغراض الإنسانيّة مستندة إلى العقل المفكّر؛ لذا نجدها متعدّدة ومعقّدة، فمنها الماديّ المحسوس ويسمّى (الفكرة) كالشّجرة والماء والثّوب، ومنها المعنويّ الذي لا يحسّ بالحواسّ الخمسة ويسمّى (الفكر) كالحقّ والباطل والحبّ والكره والمَيل.

4. التّعبير: هو الإبانة والتّفسير والكلام عما يجول في الذّهن والنّفس من أغراض يريد المتكلم إظهارها وبيانها (يُنظَر: تاج العروس 7/ 177)، وهذه المفردة تُشير إلى الجانب النّفعيّ الوظيفيّ للّغة، وتشير أيضاً إلى القصديّة والإراديّة والنّظاميّة في اللّغة.

بعد معرفة هذه المفردات يمكننا أن نبيّن جوانب العمليّة اللّغويّة بمنظار ابن جني وهي:

1. الجانب البايلوجيّ الفسلجيّ المتمثّل بـ (الأصوات).

2. الجانب السيكولوجيّ الانفعاليّ المتمثّل بـ (الأغراض).

3. المتكلِّم والمستمع بالحقيقة أو الافتراض، وهما القطبان الرّئيسان اللّذان تدور حولهما العمليّة اللّغويّة والمتمثّلان بـ (القوم).

4. الوسط الفيزيائيّ النّاقل للرّسالة بين القطبَين باختلاف أشكاله.

ولو صُغنا تعريف ابن جنيّ للّغة بما فهمنا لأصبح:" اللّغة عمليّة بايلوجيّة فسلجيّة منظّمة (الأصوات) تدور بين المتكلّم والسّامع بوسطٍ فيزيائيٍّ ناقل للرّسالة (القوم) لإظهار وبيان الانفعال السيكولوجيّ للمتكلّم (الأغراض) ".

ومن العلماء المتأخّرين عن ابن جنّي والّذين عرّفوا اللّغة هم ابن سنان الخفاجيّ:" ما تواضع القوم عليه من الكلام "، وابن الحاجب (ت646هـ):" كل لفظ وضع لمعنى"، والجدير بالملاحظة أن التّعريفَين كليهما يستندان إلى تعريف ابن جنّي، ويوضّحان جزء منه كالتّواضع والاصطلاح أو المعنى واللّفظ، فلم يأتيا بجديد.

مما تقدم تتّضح لنا معالم اللّغة وخصائصها، وهي: إنسانيّة، صوتيّة، متعدّدة، إراديّة، قصديّة، نفعيّة، معبّرة عن الأفكار والفكر، نظاميّة، وضعيّة، مكتسَبة، اجتماعيّة، مركّبة، ممكنة التّعلم.

ـ[ابن أيمن الصرفي]ــــــــ[16 - 10 - 2011, 10:27 م]ـ

ليس لي خبرة بهذه المسالة ولكني أتذكر من أن جمعا من العلماء نصوا على أن الشافعيِّ كلامه حجة فى اللغة ما يجيب فضيلة الشيخ المنصور؟؟

ـ[فيصل المنصور]ــــــــ[17 - 10 - 2011, 01:24 م]ـ

قد ذكرتُ أن الشافعيَّ من من لا يُحتَجُّ بكلامِه. ومَن زعَم غيرَ ذلك فهو مخطئٌ. ولو أردتُّ بسطَ هذه المسألة، وتناولَ حججِها، ونقضَ شبهاتِ المخالفِ، لطالَ الكلامُ جِدًّا.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015