ملتقي اهل اللغه (صفحة 3888)

ضبط اسم كتاب الصحاح بين الفتح والكسر

ـ[أحمد سالم الشنقيطي]ــــــــ[31 - 12 - 2011, 08:59 م]ـ

البسملة1

ضبط اسم كتاب الصحاح بين الفتح والكسر

بقلم/ أحمد سالم بن حبيب الله الحسني الشنقيطي

ضمني مجلسٌ مع بعضِ الإخوةِ الأفاضلِ، جَرَى فيه ذكرُ اسمِ كتابِ الصِّحاحِ بكسر الصاد، فبَدرَ أحدُ الحاضرين إلى التنبيه إلى أن الضبطَ الصحيحَ هو الفتحُ، فبَدا كأنه يُخَطِّئُ وجهَ الكسر!.

فعُدتُ وفي نفسي رغبةٌ في تحريرِ المسألة، ولم ألبثْ أن قلَّبتُ النظرَ في مظانِّها من كُتُبِ اللغةِ وغيرِها، حتى صَدَرتُ عنها وقد زادَ يَقيني بجوازِ الوجهيْن، أَعني فتحَ الصاد وكسرَها.

فالأولُ بمعنى "الصحيح" ([1])، والآخرُ جمعُ "صحيح"، وكلاهما يَصلحُ للدلالةِ على معجمِ الجوهريِّ المعروفِ.

والفرقُ بينهما هو الفرقُ بينَ الوصفِ المفردِ والوصفِ المجموعِ؛ فالصَّحاحُ بالفتحِ وصفٌ للكتاب بالصحةِ، وبالكسرِ وصفٌ للغات الواردة فيه بالصحة.

والجوهريُّ صاحبُ "الصِّحاح" لم يَنُصَّ على تخصيصِ أحدِ الضَّبطيْن حتى يُرجَع ويُصارَ إليه فيكونَ هو الراجحَ.

وعزا الزَّبيديُّ إلى شيخِه محمدِ بنِ الطيبِ الفاسيِّ قولَه: (ولم يَردْ عنِ المؤلِّفِ في تخصيصِ أحدِهما بالسندِ الصحيحِ ما يُصارُ إليه ولا يُعدَل عنه) ([2]).

فلا داعيَ إذنْ لتخطئةِ أحِد الوجهيْن، أو حملِ الناسِ على الوجهِ الآخرِ. فمتى جازَ توجيهُ أحدِ اللفظين لا يُحكمُ عليه بالتخطئةِ.

وإنما مدارُ الحُكمِ في هذا النوعِ منَ المسائلِ هو الترجيحُ بين اللفظيْن في الفصاحةِ، إذا دلَّ عليه دليلٌ، فإن لم يكنْ دليلٌ تساويَا في الحكمِ بالصحةِ والفصاحةِ، ولا عبرةَ بعدَها بالتخطئةِ والترجيحِ.

ترجيح الكسر

لكنِّي أَرَى مِنِ استقرائي لهذه المسألةِ رُجحانَ الكسرِ -معَ صحةِ الفتحِ-؛ لما يلي:

- "الصَّحاحُ" بالفتح –بمعنى الصحيحِ- سماعيٌّ لا قياسيٌّ ([3])، في حينَ أنَّ "الصِّحاحَ" بالكسرِ يَعضدُه السماعُ والقياسُ معًا، فـ"فِعال" جمعٌ مُطَّرِدٌ في "فَعِيل وفَعِيلة" بمعنى الفاعل؛ تقول في جمع كريمٍ وكريمةٍ: كِرامٌ.

قال ابنُ مالكٍ وهوَ يَعُدُّ ما يَطَّردُ جمعُه على "فِعال":

وفي فَعِيلٍ وَصْفَ فاعلٍ وَرَدْ ... كذاك في أُنْثَاهُ أيْضًا اطَّرَدْ ([4])

فيكونُ الصِّحاحُ بالكسر - في اسمِ الكتابِ- وَصْفًا للُّغاتِ؛ أي اللغاتِ الصِّحاحِ.

- أن الكسر هو الضبطُ الذي نصَّ عليه واختارَه كثيرٌ من المتقدِّمين والمتأخِّرين. ومنهم أبو زكريَّا الخطيبُ التَّبريزيُّ الذي نَقل عنه السيوطيُّ قولَه: (كتابُ الصِّحاح بالكسرِ، وهوَ المشهورُ، وهو جمعُ صحيحٍ: كظريفٍ وظِرافٍ؛ ويقال: الصَّحاحُ بالفتحِ، وهو مفردٌ نعتٌ كصحيحٍ) ([5]).

وقال الزَّبيدي في مقدمة التاج: (اختُلف في ضبط لفظ الصحاح، فالجاري على ألسنة الناس الكسرُ، ويُنكرون الفتحَ، ورجحه الخطيبُ التبريزيُّ على الفتح، وأقرَّه السيوطيُّ في المزهر) ([6]).

وقال القِنَّوْجيُّ في البُلغة: (قلتُ: سمَّى الجوهريُّ كتابه بالصِّحاح في اللغة أي اللغاتِ الصحيحة. وقال في خطبته: "أودعتُ في هذا الكتابِ ما صَحَّ عندي من هذه اللغةِ التي شَرَّف اللهُ تعالى منزلتَها، وجَعلَ عِلمَ الدينِ والدنيا مَنُوطًا بمعرفتِها على ترتيبٍ لم أُسبَقْ اليه، وتهذيبٍ لم أُغلَبْ عليه .. " ([7])، قالَ بعضُهم: فالظاهرُ من كلامِه أنَّ اسمَه الصِّحاحُ بالكسرِ؛ لِكونِه صِفَةَ اللُّغاتِ ..) ([8]).

ويَدلُّ عليه أيضًا، قولُ نورِ الدينِ عليِّ بنِ محمدٍ العفيفِ العليفيِّ المكيِّ في تقريظِ القاموسِ:

مُذ مَدَّ مجدُ الدِّينِ في أيَّامِه ... مِن بعضِ أَبْحُرِ عِلْمِه القامُوسا

ذَهبتْ صِحاحُ الجوهريِّ كأنَّها ... سِحْرُ المدائنِ حِينَ أَلقَى مُوسى ([9])

والسياقُ يدل على الكسر؛ لأنه قال: ذَهبتْ .. وكأنَّها.

ويَدلُّ عليه كذلك كلامُ صاحبِ الصُّراحِ ([10]) حيث قال: (ظفرتُ بنسخةٍ مصححَةٍ في أربعِ مجلداتٍ ضخامٍ صِحاحٍ كاسمِها غيرِ سِقام) ([11]).

الفتحُ أيضًا صحيحٌ

ومعَ ذلك، لا شكَّ أنَّ الفتحَ صحيحٌ أيضًا، وإن كانَ لم يَشتهِرْ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015