ـ[فهد عبد الرحمن الصلوح]ــــــــ[03 - 01 - 2010, 09:22 م]ـ
55 - لمحة في قوله تعالى:
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) -الصافات.
أي تشبيه في الآية؟
أنواع التشبيه عند البيانيين، على سبيل التذكير، أربعة:
-تشبيه حسي.
-تشبيه خيالي
-تشبيه وهمي
-تشبيه عقلي.
يريدون بالتشبيه الخيالي ما كانت مادة أجزائه حسية،موجودة في الخارج، لكن الهيئة التركيبية غير موجودة. ومثاله المتداول:
أعلامُ ياقوتٍ نُشِرْنَ على رِمَاحٍ مِنْ زَبَرْجَدَ ...
فالمفردات، منفصلة، كلها حسية مأخوذة من الواقع (أعلام-ياقوت-رماح-زبرجد)
لكن الصورة، المجموعة، المؤلفة من تلك المفردات غير موجودة، وإنما هي وليدة الخيال .. فيكون التشبيه خياليا.
ويريدون بالتشبيه الوهمي ما كان صورةً غير واقعية اختَرَعَها الوَهْمُ منْ عندِ نفسِه منْ غيرِ أنْ يكونَ لهُ أوْ لَمَادَّتِه وجودٌ في الخارِجِ، لا في افتراق ولا في اجتماع، ويمثلون له ببيت امرئ القيس:
أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرِفِيُّ مُضَاجِعِي ... ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كأنيابِ أَغْوَالِ.
ولما كان تقليل الأقسام وضبطها من مقتضيات التصنيف المنهجي فقد ألحق الخطيب الخيالي بالحسي، وقابلهما بالوهمي والعقلي .. وعلل ذلك ابن يعقوب في مواهب الفتاح بقوله:"واختار إلحاقه [الخيالي] بالحسي دون العقلي مع أن صورته الكلية تدرك بالعقل نظرا لمادته المحسوسة، فلما كانت مادته صورا خيالية بعد شهودها وغيبتها عن الحس ناسب جعله حسيا خياليا مع أنه لو جعل الحسي ما يدرك بالحواس حقيقة والعقلي ما سوى ذلك انضبط التقسيم أيضا وأحاط مع قلته .. "
وعلى هذا الأساس وضعوا تشبيه الصافات في العقلي، قال ابن عاشور:
وَهَذَا التَّشْبِيهُ مِنْ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَعْقُولِ كَتَشْبِيهِ الْإِيمَانِ بِالْحَيَاةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِتُنْذَرَ مَنْ كانَ حَيًّا [يس: 70] وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا تَقْرِيبُ حَالِ الْمُشَبَّهِ فَلَا يَمْتَنِعُ كَوْنُ الْمُشَبَّهِ بِهِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ وَلَا كَوْنُ الْمُشَبَّهِ كَذَلِكَ.
ولنا تعليق على كلام ابن عاشور بعد حين، وأما كلام ابن يعقوب السالف فيؤخذ منه ميل البيانيين، في التقسيم والضبط، إلى تغليب الوجود على الماهية .. فلو تأملت أطراف التشبيه في الأنواع الثلاثة الأولى لوجدتها حسية في ماهيتها،بينما ينفرد الرابع في كون ماهيته عقلية ..
ولو تأملت هذه الأنواع باعتبار الوجود لوجدت النوع الأول وحده موجودا في الخارج أما بقية الأنواع فوجودها في الذهن فحسب ..
وهذا التصنيف، باعتبار الوجود، هومقترح ابن يعقوب متوسما فيه انضباطا وإحاطة ووضوحا في المعيار، لأن تقسيم الخطيب الثنائي المتعادل يحوج إلى ضرب من التأويل نكون في غنى عنه على تقسيم ابن يعقوب ..
ونحن نرى أن التصنيف سيكون أفضل لو اعتبرنا الماهية: نقلب مقترح ابن يعقوب فنلحق الخيالي والوهمي بالحسي ونجعلها جميعا قسيما للعقلي ..
وباعثنا على هذا التقسيم هو اعتبارات بلاغية محضة بعيدا عن الترسيم المنطقي أو المرجعية الفلسفية "السينوية" المشهورة في تقسيم الملكات النفسية ووجوه المعرفة ...
إن العبارات والجمل المسموعة من لدن المتلقي نوعان:
أ-عبارات يفهمها ولكنه يستحيل عليه أن يتخيلها، لأن المفردات المكونة لها مفهومات عقلية ليس لها ماهية حسية .. كأن يسمع مثلا:
"الحرية هي انتفاء لمبدأ الحتمية"
فالكلمات كلها مما يدرك بالعقل:فلا يتحقق تصور في خيال، ولا رسم في لوحة، ولا عرض على شريط ..
ب-عبارات يتصورها بخياله،لأنها مركبة من مفردات يقع عليها الحس حاضرة، ويمكن استرجاعها بالخيال غائبة.كأن يسمع مثلا:
"يخرج الطائر من القفص ويحلق عاليا في السماء الزرقاء .. "
محتوى هذه الجملة قابل لأن يتخيل، وإن لم يكن المشهد حاضرا حقيقة، كما يمكن ترجمته إلى لوحة باستعمال ألوان وأشكال وأبعاد، كما يمكن تحويل اللوحة إلى شريط سنمائي قصير فيه حركة وتعاقب في المشاهد ..
إن الخيال لينشط هنا أشد ما يكون النشاط ف"الطائر" قد يتصوره أسمر أو أزرق في لون السماء،وحركة طيرانه قد يتمثلها بطيئة أو سريعة،واتجاهه قد يكون يمينا أو شمالا ... ولكن ماذا عساه يفعل بكلمة "انتفاء" أو كلمة "مبدأ" أو كلمة "حتمية"!!!
¥