ملتقي اهل اللغه (صفحة 2892)

العبارات من النوع الأول تقرير .. أي فكرة يفهمها العقل وحده.

العبارات من النوع الثاني تصوير ... أي تشكيل حسي يقوم به الخيال وحده ..

والتمييز بين الفكرة والصورة حاسم جدا ... لأنه يعلن فراق أسلوب الفلسفة عن أسلوب الشعر، وفراق النص العلمي عن النص الفني ..

لكن بيت القصيد في كل هذا هو تميز الصورة في إثارة الإحساس وارتباطها بالشعور، بينما الفكرة تبقى دائما في معزل عن العاطفة ..

فإذا رجعنا إلى المثالين السابقين وجدنا "فكرة" الحرية مفهومة لكنها لا تثير في النفس أي انطباع .. بيد أن "صورة "الحرية مفهومة أيضا- لأن العقل ينتزع الفكرة منها –وهي مع ذلك تثير إحساسا في النفس،ارتياحا مثلا، يكون مصاحبا لتتبع حركة العصفور في الفضاء الواسع ولربما ارتسمت ابتسامة خفية على الشفتين!!

ولهذا السبب لا يستطيع المرء أن يبكي إلا إذا تخيل صورة، ولا يستطيع أن يضحك إلا إذا تمثل مشهدا مضحكا، أما الفكرة فلا تضحك أحدا أو تبكيه،بل تفهم فقط ... وإذا أردنا لها أن تثير فينا مثل ذلك الشعور فلا بد من وساطة الخيال أعني لا بد من تجسيد المجرد و"تحسيس" العقلي .. وهذا هو دور بلاغة البيان ودور التشبيه فيها ... فترى الصورة الخيالية ينهل منها العقل والشعور معا: فالعقل ينتزع منها الفكرة المجردة، والشعور ينفعل بها ميلا أو نفورا، توترا أو ارتياحا، حزنا او انبساطا ...

ومن هذا التحليل يتبين لنا عدم دقة ابن عاشور في سلك تشبيه آية الصافات وآية يس في نوع واحد .. فشتان بين تشبيه الزقوم برؤوس الشياطين والتشبيه المفترض للإيمان بالحياة .. أقول المفترض لأن قوله تعالى" لِتُنْذَرَ مَنْ كانَ حَيًّا"استعارة في زعم القوم،وهم يرجعون كل استعارة إلى تشبيه أصلي مقدر أو قائم في النفس، وحمل ابن عاشور الآية على هذا التقدير غير صحيح .. لأنها- على تقدير تشبيه فيها- ليس تشبيها لمعنى الإيمان بالحياة، مفهومين مجردين في العقل، بل تشبيها بالكائن الحي صورةً يتمثلها الحس .. فالخيال يصنع من عبارة "من كان حيا" شخصا متنفسا، متأثرا، مؤثرا، عاملا مريدا،متحركا، ونشيطا .. وأين هذا كله من برودة الحياة في "العقل؟

فيكون التشبيه في الآية من قبيل تقديم العقلي في صورة حسية، وليس من قبيل تشبيه المعقول بالمعقول، الذي لا يكون مفيدا في الغالب لخلوه من التأثير على النفس نتيجة عجز الخيال عن التقاط صورة له.

"طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ .. "

تشبيه حسي بحسي في نظرنا ونتفق مع ابن عاشور في وظيفة تَقْرِيبُ حَالِ الْمُشَبَّهِ ولكننا نختلف معه في قوله" فَلَا يَمْتَنِعُ كَوْنُ الْمُشَبَّهِ بِهِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ وَلَا كَوْنُ الْمُشَبَّهِ كَذَلِكَ .. " فكلامه،في اجتماعه، ظاهر التهافت، إذ كيف يتأتى تقريب الحال والطرفان مجهولان!! وكيف يتحصل معنى مفيد من قولك "هذا تشبيه لما لا تعلم بما لا تعلم"!!

لكننا نقول إن المشبه به معروف لكن المعرفة غير الوجود الخارجي .. فللشيطان صورة في المخيال البشري، وعليها يحيل التشبيه في الآية .. ولهذه الصورة الشيطانية المتخيلة تأثير في النفس فتجد الاستبشاع والتقزز والخوف والضيق ومن ثم الرغبة في طرح الصورة من الخيال ..

فيكون الهدف البياني للتشبيه هو تحويل هذه الإيحاءات النفسية من الصورة المعهودة للشيطان إلى الصورة غير المعهودة لشجرة الزقوم فيقوم التشبيه بوظيفته البيانية المنوطة به ..

مع نكتة أخرى لا تقل أهمية وهي أن تشبيه الشجرة بصورة متخيلة، غيرواقعية، تنبيه على أمر جليل، وهو أن هذه الشجرة الملعونة لا مثيل لها في ما يرى الناس في واقعهم الخارجي،فإذا أردنا لها شبيها عجز الواقع على أن يمدنا به،ولا يتأتى ذلك إلا توهما وتخيلا ... !!

فكأن التقدير البياني للتشبيه في الآية: أن هذه الشجرة من البشاعة والإيذاء بحيث لم يخلق لها الله تعالى في العالم المشهود ما يقاربها أو يقارنها .. والخيال وحده قادر على إنتاج صورة قريبة .. فكان التشبيه برؤوس الشياطين، وهي وإن كانت غير مشاهدة بالبصر، فهي معهودة في المخيال البشري، وقد جسدها الناس فعلا في رسومات وتماثيل ومنحوتات .. ومن ميزة هذا التشبيه أنه يفسح المجال للتخيل بكل حرية مع بقاء المعنى المشترك .. فتصبح الأوهام والتخيلات على كثرتها وطابعها الشخصي تنويعات على معنى واحد عام قوامه الرعب والاستبشاع ...

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015