ملتقي اهل اللغه (صفحة 2857)

لا يخفى ضعف مثل هذا التعليل ونأيه عن القاعدة العامة في تفسير القرآن المقتضية لحمل المعنى القرآني على أبلغ وجه .. وما اعتبر هنا من قبيل التنبيه ليس إلا تحصيل حاصل:

فالمحاورة: مراجعة الكلام بين متكلميْن، وعبارة "وهو يحاوره" الأولى تفترض على الأقل قولا من متكلم وردا من مستمع ... بل إن فعل"حاور"يدل على الرد من الجهتين:

-من جهة المادة المعجمية.

-ومن جهة الصيغة.

فمادة "حور"تعني الرد والرجوع كما في قوله تعالى: إنه ظن ألن يحور ... وكما في قول العرب:"لم يحر جوابا"أي لم يجد ما يرد به على محاوره.

وصيغة "فاعَلَ"من معانيها الدلالة على تناوب الفاعلية والمفعولية ... مثل "راسل" و"صارع" و"قاسم" وغيرها .. ففي مثل هذه الأفعال لا بد من وجود ذاتين تقوم كل واحدة منهما بدور الفاعل ودور المفعول.

وعند تأمل حوار الرجلين لن نجد غير قولين:ما قاله صاحب الجنتين علوا واستكبارا وما أجابه صاحبه تبكيتا وتأنيبا ...

ولا ريب أن عبارة "وهو يحاوره" الأولى دلت على هذا الجواب بالدلالة التضمنية ومن ثم لم يكن ثمة حاجة إلى التنبيه على ما لا يغفل عنه!

فعاد السؤال:

ما سر تكرار الجملة الحالية؟

ظهر لي-والله أعلم-أن الغاية من التكرار هو التنبيه على أن هناك حوارين منفصلين في الزمان لا حوار واحد .. وعلى هذا يكون تقدير الجملة الثانية "قال له صاحبه وهو يحاوره [كرة ثانية] " فتكون الجملة الحالية مؤسسة لحوار جديد لا مؤكدة ... ويترتب على هذا الاعتبار أمور:

1 - وجه بديع من الاحتباك:

فمن الحوار الأول احتفظ القرآن برد صاحب الجنتين وطوى قول صاحبه.

ومن الحوار الثاني احتفظ القرآن برد الفقير وطوى قول صاحب الجنتين.

2 - قال ابن كثير:

"يقول تعالى مخبرًا عما أجابه صاحبه المؤمن، واعظًا له وزاجرًا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا}؟ وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه، الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، كما قال تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة:280] أي: كيف تجحَدُون ربكم، ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدومًا ثم وجد، وليس وجوده من نفسه ولا مستندًا إلى شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه، وهو الله، لا إله إلا هو، خالق كل شيء؛ ولذا قال: {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي} أي: أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالربوبية والوحدانية {وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له."

كفر صاحب الجنتين هو كفر بالربوبية وهذا المعنى غير موجود في مقالته الأولى:

قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)

فهذا القول يتضمن الشك في البعث وليس فيه جحود الربوبية، وقول الزمخشري:"جعله كافراً بالله جاحداً لأنعمه لشكه في البعث، كما يكون المكذب بالرسول صلى الله عليه وسلم كافراً."قول غير صحيح .. من وجهين:

-الرجل يذكر إيمانه بالرب في سياق التوكيد بالقسم "وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي" فكيف يجعل كافرا بالرب!

-صاحبه عند الرد عليه لم يذكر أمر المعاد وإنما وبخه على كفره بالرب" أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ" وعندما نص على عقيدته هو لم يذكر البعث وإنما أكد توحيد الربوبية:" لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ".

نعم، المكذب بالرسول كافر، ولكن في مقام المناظرة لا يليق أن نحتج عليه بدلائل البعث والنشور مثلا، إذ ينبغي تحرير محل النزاع باعتبار مناط الكفر لا الكفر مطلقا ... وظاهر من جواب المؤمن أن مناط كفر صاحبه هو الربوبية فرد عليه بدليل الخلق كما جاء في تفسير ابن كثير ..

وهذا يقتضي أن يكون الصاحب المؤمن يرد على مقالة كفرية أخرى غير المذكورة،مقالة فيها كفر غليظ هو إنكار وجود الله،وهي المقالة المطوية والمدلول عليها من خلال الرد على وجه الاحتباك.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015