ملتقي اهل اللغه (صفحة 2856)

كان الإنسان يتوسم الخروج من احتمال السوء خلفه-ليلا- فإذا هو منغمس فيه بين يديه -صبحا-

قال عز وجل عن صاحب الجنتين-سابقا-:

فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا.

اكتشف انهيار كل شيء عندما فتح عينيه فكأنه انتقل من حلم لذيذ إلى كابوس يذهل العقول ...

...

5 -

يتكون هذا المثل من سبيكتين:

-السبيكة السردية.

-السبيكة الحوارية.

وقد انتظم المثل بواسطة ربط بديع للمكونين:

السبيكة الأولى أظهرت ما يوجد داخل الجنتين ... أما السبيكة الثانية فقد أظهرت ما يوجد داخل الرجلين!

فتحقق التنويع القرآني المعهود: فثم خطاب للبصر يدعو العين لاستكشاف الجنتين.وهنا خطاب للوجدان يدعو الروح لاستبطان أغوار النفس البشرية والكشف عن دسائسها.

لكن الجدير بالملاحظة هو كيفية دمج السبيكة الحوارية وسط السبيكة السردية بحيث ظهرت القطعة الحوارية كأنها قطعة اعتراضية دون أن تكون كذلك!

فلو تتبعنا الخط السردي وحده إلى نهايته -دون أن نقرأ حوار الرجلين- لانتظم الكلام متناسقا على وتيرة واحدة:

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ [...] وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ...

فمن الممكن اعتبار الواو عاطفة -دلاليا وليس نحويا-فكثيرا ما نجد في نظم القرآن تجاور أوج الحياة مع حضيض الفناء بحيث يتم الانتقال من حالة إلى أخرى سريعا جدا ...

كما في المثل الثاني في هذه السورة الكريمة نفسها:

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ....

فعندما نقرأ "فأصبح ... " نتوقع -بل نأمل-كلاما عن الاخضرار والنمو والازدهار فقد ذكر قبلها اختلاط الماء بالنبات- المؤذن بتزاوج أسباب الحياة -والعطف الفوري" بالفاء" يرشح شيئا مثل "فاخضر"أو "فنما" أو "فاستوى" لكن البيان المعجز فاجأ القاريء بطي كل ذلك:فما أن ابتدأت الحياة حتى انتهت ... !! وما لبث الأجل أن عاجل الأمل ... !!

فانظر إلى قوة التعبير في الحالتين:

فعند وصف الجنتين أسهب وفصل، لأن المقصد هو الابتلاء،فالله الحكيم يعرض على عبده زينة الحياة الدنيا بتفاصيلها، وعندما كان المقصد هو ذكر هشاشة الدنيا وتفضيل الأخرى عليها ["وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا"] لم يذكر إلا نشأتها وكأن ما بعد ذلك لا يستحق أن يذكر. فلله در هذا القرآن!

جاءت السبيكة الحوارية في موضع اعترضت فيه الكلام عن الثمر:

فقبلها: "كان له ثمر"- ثمر مرفوعة- وبعدها:"وأحيط بثمره"- ثمر مجرورة - والحوارية قامت بوظيفة تعليلية للحالتين معا.

والفاء- كما قال ابن عاشور-" لتفريع جملة {قال} على الجُمل السابقة، لأن ما تضمنته الجمل السابقة من شأنه أن ينشأ عنه غرور بالنفس يَنطق ربه عن مثل ذلك القول."

"كان له ثمر" هو سبب لإظهار "الأنا" الإبليسية الكامنة في الرجل:" أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا"

الحوار - بما تضمنه من كبر وغرور- مسبب عن كثرة الثمار ...

وهو نفسه- بما تضمنه من بطر وكفر-سبب للإحاطة بالثمار.

فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ...

قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ....

ما سر تكرار الجملة الحالية؟

لم أجد عند المفسرين شيئا يذكر، بل لم ينشغل سوادهم بالمسألة أصلا إلا ما كان من أبي السعود الذي حاول بيان فائدة التكرار وماكان من الألوسي الذي اكتفى بتكرار عبارات أبي السعود بنصها،-وهذا يدلك على أن السؤال البياني في تراثنا التفسيري لم يحظ بما حظي به السؤال الفقهي أو العقدي أو النحوي- قال أبو السعود رحمه الله في تفسيره:

" {قَالَ لَهُ صاحبه} استئناف كما سبق {وَهُوَ يحاوره} جملة حالية كالسابقة، وفائدتها التنبيه من أول الأمر على أن ما يتلوها كلام معتنى بشأنه مسوق للمحاورة".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015