ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[05 - 06 - 2009, 09:13 ص]ـ
7 - لمحة في قوله "وَجَرَيْنَ بِهِم"
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ {22}
1 - الالتفات:
هذه الظاهرة الأسلوبية معدودة-نظريا- من أفراد البديع،لكن في وسعنا أن نتلمس لها مع ذلك صلة بالبيان ..
وقد ذكر المفسرون الوجهين:
حاصل الوجه البديعي يدور على فكرة تحسين الأسلوب بتغيير وتيرته وتحويل اتجاهه ...
أما الوجه البياني فقد تعددت اقتراحاتهم بشأنه مع تقاربها:
-فعلى رأي الفخر الرازي "أن الانتقال في الكلام من لفظ الغيبة إلى لفظ الحضور فإنه يدل على مزيد التقرب والإكرام. وأما ضده وهو الانتقال من لفظ الحضور إلى لفظ الغيبة، يدل على المقت والتبعيد ".
-ومن رأي صاحب البحر المحيط أن صدر الآية خطاب شامل للناس بأسرهم ولما كان بين أظهرهم مؤمنون حسن الخطاب بالحضور .. ولما تمحض جمع المشركين حسن خطابهم بالغيبة إشارة إلى معنى الإعراض والمقت ..
-أما ابن عاشور فسار على خطى أبي حيان في اعتبار التقسيم إلى الفريقين مضيفا إليه تقسيما باعتبار الحالين وهذا كلامه:
"ومن بديع الأسلوب في الآية أنها لما كانت بصدد ذكر النعمة جاءت بضمائر الخطاب الصالحة لجميع السامعين، فلما تهيأت للانتقال إلى ذكر الضراء وقع الانتقال من ضمائر الخطاب إلى ضمير الغيبة لتلوين الأسلوب بما يخلصه إلى الإفضاء إلى ما يخص المشركين فقال: {وجَرين بهم} على طريقة الالتفات، أي وجرين بكم. وهكذا أجريت الضمائر جامعة للفريقين إلى أن قال: {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} فإن هذا ليس من شيم المؤمنين فتمحض ضمير الغيبة هذا للمشركين، فقد أخرج من الخبر مَن عدا الذين يبغون في الأرض بغير الحق تعويلاً على القرينة لأن الذين يبغون في الأرض بغير الحق لا يشمل المسلمين ".
هذا، وسنحاول أن نكتشف مزيدا من دلالات هذا الالتفات من منظور بلاغة التلقي فنقول:
وقْع الالتفات في آية يونس مشهود:
-لأنه حدث قبل تمام الجملة وحسن السكوت. فقد عطفت الآية "جَرَيْنَ بِهِم""، التي اشتملت على الضمير المتحول إليه، مباشرة على" إِذَا كُنتُمْ"التي اشتملت الضمير المعدول عنه ... مما ينشيء عند المتلقي إحساسا بالمفاجأة والدهشة.
-لا يفصل بين الضميرين إلا " فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ"مما يجعل تعاقب الضميرين في السماع قريبا جدا ...
قارن مع مطلع الشاعر النابغة:
يا دار ميّة بالعَلْياء فالسَّند ... أقْوَت وطال عليها سالف الأمَد
حدث الالتفات سريعا هنا أيضا،لكن المتلقي قد لا يشعر بهذا الالتفات الذي بهتت الآن معالمه بسبب شدة تأثيرالتحول الشامل في الأسلوب من الإنشاء إلى الخبر ..
لكن الآية أرادت أن تلفت بقوة نظر القاريء إلى التحول الذي حدث في أسلوب الخطاب حتى أن بعض الجهال من الطاعنين في القرآن توهموا أن في الآية خطأ ما!
إذن:
في الآية التفات مع إلفات إليه!
لكن ما المضمون البلاغي لهذا الالتفات؟
أ-بديعيا:
جاء الالتفات ليعكس باهر الاتساق المشهود في السياق:
فالتطابق بين الحضور والغيبة في الالتفات صورة مصغرة لما اشتملت عليه الآية من تطابقات:
-الْبَرِّ /َالْبَحْرِ.
-رِيحٍ طَيِّبَةٍ / رِيحٌ عَاصِفٌ.
-لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ/ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ.
-أُحِيطَ بِهِمْ/ أَنْجَاهُمْ.
-يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ/ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ.
-مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا/ مَرْجِعُكُمْ.
كما أبرزت الآية معنى التحول على آكثر من صعيد:
-تحول البحر من الهدوء إلى الهيجان
-وتحول المكلف من التوحيد إلى الشرك
-وتحول الإنسان من دار الابتلاء إلى دار الإنباء.
ب-بيانيا:
الانتقال من الحضور إلى الغيبة بتلك السرعة الفجائية ينشيء عند المتلقي نوعا من التوتر ويستدعيه للوقوف والتأمل .. وفي الوقت ذاته تنبهه على مقصدية الآيات وكأن لسان حال الالتفات يقول:
¥