تتقدم المعاني بأحد خمسة أشياء إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب، وإما بالفضل والكمال.
فإذا سبق معنى من المعاني إلى الخفة والثقل بأحد هذه الأسباب الخمسة أو بأكثرها، سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق،وكان ترتب الألفاظ بحسب ذلك. نعم،وربما كان ترتب الألفاظ بحسب الخفة والثقل لا بحسب المعنى كقولهم" ربيعة ومضر "ـوكان تقديم "مضر" أولى من جهة الفضل، ولكن آثروا الخفة، لأنك لو قدمت مضر في اللفظ كثرت الحركات وتوالت فلما أخرت وقف عليها بالسكون ..
حاصل كلامه أن التقديم – أصلا- يكون لاعتبارات معنوية قيمية (عقلية عرفية وغيرها ..) وقد يعدلون عن هذا الأصل لاعتبارات لفظية صوتية من الخفة والثقل.
وقد وقفت في سورة الواقعة على ترتيب باعتبار "النظم وسرد الكلام":
قال تعالى:
وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً {7} فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ {8} وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ {9} وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ {10} أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ {11}
تأخر ذكر القسم الثالث وكان من حقه التصدير،وذكر أصحاب المشأمة في الوسط يشوش على الترتيب فلا يكون من الترقي ولا من التدني ..
بيد أن ترتيب الأقسام بعد ذلك ورد على النحو المرتقب:
حال المقربين، وحال أصحاب اليمين،ثم حال أصحاب الشمال ..
وجاء هذا الترتيب بعينه في نهاية السورة:
فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ {88} فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ {89} وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ {90} فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ {91} وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ {92} فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ {93} وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ {94}
فما الحكمة من العدول عن هذا الترتيب في بداية السورة؟
لم يظهر لي أي مقتض دلالي إلا ما كان من شأن النظم والاقتصاد في اللفظ ..
فقد كان مقصد السورة تسمية الأزواج الثلاثة أولا،ثم وصف أحوالهم ثانيا .. فلو بدأ بذكر المقربين لاقتضى ذلك إعادة ذكرهم ليحمل عليهم ما لهم من أحوال وأفعال .. لكن السورة آثرت الاختزال:
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ {10} أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ {11}
النظم شديد الإحكام!
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ {10} عبارة اجتمعت فيها وظيفتان .. فهي في نظم ما سبق تسمية للقسم الثالث، وفي نظم ما لحق وضع "للموضوع" الذي ستحمل عليه "محاميل"!!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[31 - 05 - 2009, 05:16 ص]ـ
6 - لمحة في قوله تعالى: كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ
{مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} المائدة75
قال بعض المفسرين في قوله: {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام} إنه كناية عن قضاء الحاجة ...
قلت:ولعل منشأ إيثارهم المعنى الكنائي على المعنى الصريح هو ما يترتب عن الكناية من تجاور عجيب في مكان واحد بين مقصدين متنافرين: الملاطفة والتشنيع .. !!
فالعدول عن ذكر التبول والتغوط داخل في مقصدية تلطيف الخطاب .. وإرادة هذا المعنى مع ذلك"أمرّ ذَوْقاً في أفواه مدعي ألوهيتهما" –حسب تعبير العلامة الألوسي-
الحقيقة أن القول بالكناية ضعيف ...
ذلك لأن المقام محاججة ... وظاهر الكلام وصريحه {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام} يؤسس حجة برهانية ... بينما معنى قضاء الحاجة ليس فيه إلا حجة خطابية ...
صحيح أن "إله يتبول" صورة مؤذية للشعور،و"أمر في الذوق"،وأدعى للنفور .... لكن فعل المحاججة يظل أسير مجال الحس والعاطفة .. أقصى طموحه أن يحقق " استقباح الصورة"
لكن الاحتجاج بأكل الطعام يحقق "هدم الفكرة" والمجال المستهدف هو العقل .. لا العاطفة.
فمن يحتاج إلى طعام محال عقلا أن يكون ربا أو إلها ... فهو مخلوق بالضرورة ..
والافتقار صفة لازمة للمخلوق .. وقد جعل الله الحكيم هذا الوضع الوجودي للمخلوقات أشد ظهورا من أي شيء آخر ... فأنت محتاج –مثلا- إلى هواء تتنفسه في كل ثانية ... وحياتك تنهار في بضع دقائق إذا حُرمته!!
وقد عطف المشي في الأسواق على أكل الطعام:
{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} الفرقان7
{وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} الفرقان20
تأكيدا لمبدأ الافتقار ..
فالرسول في حاجة إلى الطعام ... والطعام نفسه يحتاج إلى أن يمشى له في الأسواق ...
فكيف يكون الرسول إلها وهو في متاهة من الحاجات!!
حاصل الأمر أن الاحتفاظ بالمعنى الصريح فوز بالحسنيين:
-إبقاء الكلام على ظاهره،وتحقيق أقوى محاججة ..
وقد تقول: ولم لا نعتبر الكناية مقصودة فضلا عن صريحها فنفوزبالحجة الخطابية أيضا ... ؟
فنقول هيهات هيهات!! فإن البيانيين تجاوزا القنطرة فلا عودة .. فاللفظ الصريح عندهم غير مقصود بذاته ... فهم يريدون منه أن يدل على لازمه فقط ثم يطرح بعدها نهائيا ... والمسألة لها ذيول ليس هذا موضع ذكرها.
¥