ملتقي اهل اللغه (صفحة 2800)

{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} (غافر: من الآية7).

إنّ عبارة {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} وَصْفاً للملائكةِ الذين يَحْمِلُون العرش، وللملائكة الذينَ من حول العرش من الإِطناب بالبسط، وذلك لأنَّ إيمانهم معلوم من نصوص سابقة التنزيل، ومن كونهم يُسبّحون بحَمْدِ رَبِّهم.

والغرض البلاغيّ من هذا الإِطناب إظهار شرف الإِيمان، والترغيبُ فيه، والإِشارة إلى أنّ تسبيحهم بحمد ربِّهم ثمرةٌ من ثمراتِ إيمانهم، وليس تسبيحاً جَبْرِياً كتسبيح السماوات والأرض والشجر والجماد، إذن فهم يملكون جهازاً يُفَكّر، وجهازاً يؤمن بالإِرادة.

وأمّا القسم الثاني: وهو "الإِطناب بالزيادة" فيكون بزيادةٍ في الألفاظ على أصل المعنى الذي يُرادُ بيانه لتحقيق فائدةٍ ما.

فمنه قول الله عزّ وجلّ: {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} (القدر:4).

إنّ عبارَة: {والرُّوح} وهو جبريل عليه السلام من الإِطناب بالزيادة، لأنّ جبريل داخلٌ في عموم الملائكة، ولكنّها زيادة ذاتُ فائدة، إذ الغرضُ من تخصيصه بالذكر بعد دخوله في عموم الملائكة الإِشعارُ بتكريمِهِ وتعظيمِ شأنه، حتَّى كأنَّهُ جنْسٌ خاصٌّ يُعْطَفُ على الملائكة.

أقسام الإطناب:

1 ـ ذكر الخاص بعد العام، قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (البقرة:238)

2 ـ ذكر العام بعد الخاص، قال تعالى: {ربَّ اغفر لي ولوالديَّ ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات} (نوح:28).

3 ـ توضيح الكلام المبهم بما يفسِّره، قال تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر أنّ دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} (الحجر:66).

4 ـ التوشيع، وهو أن يؤتى بمثنى يفسّره مفردان، كقوله (عليه السلام): العلم علمان: (علم الأديان وعلم الأبدان).

5 ـ التكرير وهو ذكر الجملة أو الكلمة مرّتين أو ثلاث مرّات فصاعداً، لأغراض:

أ - للتأكيد، كقوله تعالى: {كلاّ سوف تعلمون ثمّ كلاّ سوف تعلمون} (التكاثر:3 - 4).

ب - لتناسق الكلام، فلا يضره طول الفصل، قال تعالى: {إنّي رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (يوسف:4) بتكرير (رأيت) لئلا يضرّه طول الفصل.

ج - للاستيعاب، كقوله: (ألا فادخلوا رجلاً رجلاً ...).

د - لزيادة الترغيب في شيء، كالعفو في قوله تعالى: {إنَّ من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم وأن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإنّ الله غفور رحيم} (التغابن:14).

هـ - لاستمالة المخاطب في قبول العظة، كقوله تعالى: {وقال الذي آمن يا قوم اتّبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وأنّ الآخرة هي دار القرار) (غافر:38 - 39) بتكرير (يا قوم).

و- للتنويه بشأن المخاطب، كقوله: (علي رجل رجل رجل ...).

ز - للترديد حثاً على شيء، كالسخاء في قوله:

قريب من الله السخيّ وأنه قريب من الخير الكثير قريبّ

ح - للتلذّذ بذكره مكرّراً، كقوله:

علي وصي عليّ رضي عليّ تقي عليّ نقيّ

ط - للحث على الإجتناب، كقوله: (الحية الحية أهل الدار ...).

ي - لإثارة الحزن في نفسه أو المخاطب، كقوله: (أيا مقتول ماذا كان جرمك أيا مقتول ...).

ك - للإرشاد إلى الخير، كقوله تعالى: {أولى لك فأولى ثمَّ أولى لك فأولى} (القيامة: 34 - 35).

ل - للتهويل بالتكرير، كقوله تعالى: {الحاقّة ما الحاقّة وما أدراك ما الحاقة} (الحاقة:1 - 3).

6 - الاعتراض، بأن يؤتى في أثناء الكلام بجملة لبيان غرض من الأغراض، منها:

أـ الدعاء، كقوله:

أن الثمانين وبُلّغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

ب - النداء، كقوله:

كان برذون أبا عصام زيد حمار دق باللجام

ج - التنبيه على شيء، كفضيلة العلم، في قوله:

واعلم ـ فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قُدرا

د - التنزيه، قال تعالى: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} (النحل:57).

هـ ـ المبالغة في التأكيد، قال تعالى: {ووصَيّنا الإنسان بوالديه حملته أمّه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلىَّ المصير} (لقمان:14).

و- الاستعطاف، كقوله:

ووجيب قلب لو رأيت لهيبه ياجنّتي لرأيت فيه جهنّما

ز - التهويل، قال تعالى: {وانّه لقسم لو تعلمون عظيم} (الواقعة:76).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015