ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[23 - 10 - 2009, 12:31 ص]ـ
لعل من المفيد إزعاج القاريء قليلا قبل الاسترسال في الموضوع .. ونرى المطلبين التاليين يفيان بهذا المقصد:
-هل تعتقد أن العالم الطبيعي يصف الظاهرة الطبيعية كما هي في الخارج، أم أنه ينشيء لها نموذجا تصوريا في الذهن؟
-هل ترى المفاهيم التي يعتمدها العالم في خطابه مفاهيم حقيقية لها ما يطابقها في الخارج، أم أنها محض أدوات من ابتكار العقل تساعده على التفسير والتنظيم،أو لنقل باصطلاح البيانيين هل هي من باب الخبر أم من باب الإنشاء؟
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[06 - 11 - 2009, 01:47 م]ـ
سنبدأ هذا البحث –على خلاف معتاد الكاتبين-بذكر خاتمته أوثمرته، مراعاة للمتعجلين من القارئين ,وأما الذين لا تضيق صدورهم بالاسترسال في القراءة،فلهم أن يحسبوا هذه الخاتمة انتصابا لدعاوى يتحسسون لها الأدلة في ثنايا البحث ..
هي ثلاث حقائق جلية:
-فأما الأولى فعن الوضع الابستملوجي للعلم الطبيعي .. حيث يترسم العلم غير قابل للانفصال عن"النسبية" أو"الاحتمال" أو"اللاتعين" ... وهذه الحالات الثلاث هي أكثر من صفات، هي مقومات العلم وحدوده .. فادعاء العلم الحقيقة المطلقة -مثلا -يرفع عنه صبغة العلم ليصبح دينا أو ميتافزيقا .. وهذا الشرط لا يفرضه المناوؤون للعلم من الخارج، وإنما عليه إجماع المشتغلين بالعلم أنفسهم من داخل مختبراتهم.
-وأما الثانية فعن القرآن الذي لا يأتيه الباطل، المنزل من لدن من لا يبدل عنده القول .. وهذه لا تحتاج إلى ذكر أو تذكير ...
-وأما الثالثة فهي بديهية،فلا يمكن ربط النسبي بالمطلق ولا تفسير الثابت بالمتحرك .. لما يترتب عن ذلك من تناقض وانقلاب في الطبائع .. فلو زعمت أن هذا "الكشف" العلمي يفسر تلك الآية القرآنية فإن اللازم هو انهيار الحقيقتين، الأولى والثانية:
-لأن الكشف العلمي حينئذ سيضحى حقيقة مطلقة ثابتة إلى الأبد (فهو الآن معنى الآية) .. وهذا لا يدعيه أحد حتى أصحاب الغلو في تقدير العلم ..
-لأن التطور العلمي، الذي هو ضربة لازب، سينشأ عنه تعاقب التفسيرات المختلفة والمتضادة على الموضع الواحد في القرآن، فيأتي الباطل حتما!
وحاصل هذه الحقائق الثلاث أنه لا يجوز ما يسمى بالتفسير العلمي ... !!
فإن كان لا بد، فليكن على سبيل الاستئناس والتحديث عن "بني إسرائيل"،الذي لا حرج فيه .. أما جعل المعنى العلمي تعيينا للدلالة القرآنية، أو ترجيحا لها، أو تأسيسا لها، فهذا من التصديق أو التكذيب لتلك الروايات، وقد نهينا شرعا عن ذلك!!
هذا والأمر يتعلق فقط ب"التفسير العلمي"، أما "الإعجاز العلمي " فهو كما ترى!!!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[06 - 11 - 2009, 08:50 م]ـ
1 - "ملكيون أكثر من الملك نفسه"
عندما نفسر القرآن في ضوء العلم الطبيعي الحديث، يكون الاهتمام منصبا رأسيا على إمكان تحميل هذه الآية أو تلك القدرة على الإشارة –تصريحا أو تلميحا-إلى هذه"الحقيقة" العلمية الجديدة أو تلك ... وبعبارة أخرى يتأسس خطاب مبني على آليات المطابقة والمشابهة أو الاستباق والالتحاق.
وفي غمرة هاجس وجوب التوحيد بين الآية القرآنية والعبارة العلمية،يتناسى أمر حاسم هو إلقاء الضوء على العنصرين المراد ربطهما أعني القرآن والعلم .. بناء على القاعدة الأولية التي تنص على أن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره.
وفي مسألتنا هذه لا بد من مساءلة هذا العلم وإخضاعه للنقد وتمحيص خطابه لمعرفة أسسه وحدوده ومقاصده ... -لا يقال هنا وكذلك القرآن، لأن القرآن في مسلماتنا المنهجية داخل صعيد التداول الإسلامي كلام الله الحاكم على غيره ولا يجوز بحال أن يكون محكوما بغيره-
نقد العلم الحديث،إذن، ضرورة منهجية بل-أكاد أقول- ضرورة شرعية ما دمنا قد عقدنا العزم على تفسير القرآن به ... والجهل بحقيقة هذا العلم يؤول إلى التقول على الله وتفسير كلامه بالرأي الحرام أو بالتقليد الخالي من الحجة والسلطان.
لكن الملاحظ –مع الأسف-أن جل" المفسرين العلميين" عندنا لا يفرحون لشيء فرحهم بوجود كلمة في القرآن شابهت مادتها أو صيغتها "شيئا"ما قيل في مجلة علمية،أو حوار دار في نيويورك أو طوكيو ... أما أن يتوجسوا أو يتهموا محرري المجلة وأعضاء مائدة الحوار فذلك أبعد من أن يخطر ببالهم،وأنى لهم ذلك وقد أخذ منهم الانبهار كل مأخذ!،وقد يتلقف "المفسر العلمي" فرضية تسربت من هنا أوهناك ... فيهرع إلى البحث عن ذلك "الشيء" الموجود في مكان ما من القرآن والذي ذكره به كلام العالم الاسكتلندي، أو غيره، .... ثم يعقد مؤتمر –من سلسلة مؤتمرات-لإظهار إعجاز القرآن على الملأ .. يتلفظ فيه باسم الاسكتلندي الكافر، أو غيره، بطريقة تكشف عن رنين الاسم الأعجمي وكأن هذا الرنين لوحده حجة وبرهان!!!
يحدث هذا عندنا ... وفي الوقت ذاته تكون تلك الفرضية تسلية في المجالس عندهم ... أو مزحة مستطابة يتذكر بها الناس خفة دم صاحبهم الاسكتلندي!!
والعجيب أننا –نحن المسلمين-نجد في أنفسنا غاية التحمس لهذا العلم بحيث ينطبق علينا وصف "ملكيين أكثر من الملك نفسه" .. فمع أننا أبعد الناس عن المساهمة في هذا العلم وكشوفاته،على صعيد الفعل، نجد أنفسنا سباقين،على صعيد الحكم، إلى التصريح بأن العلم الحديث قد أثبت كذا .. أو قرر كذا ... أو تيقن من كذا.
نقول نحن "أثبت" و"قرر" و"تيقن" ... ،بينما أصحابه هم أول من يعلم أن علمهم ذاك مبني على الظنون والشكوك ... بل لقد أجمعوا على أن علمهم متطور ونسبي، ومن زعم منهم أن حقيقة ما يقينية فلا أقل من أن يتهم بالهرطقة والبعد عن الروح العلمية ...
وسنحاول أن نورد هنا كلام أساطينهم في هذا الشأن، لنثبت لإخواننا المفسرين أن منهجهم لا يرتضيه المسلمون ولا الكفار.