ملتقي اهل اللغه (صفحة 2764)

1 - موضوع في غاية الطرافة والإبداع ...

صحيح إن وصف المعارك غرض مأثور عتيق، لكن المعركة التي ينقلها الشاعر البحتري هنا معركة متميزة جدا ف"ساحة" الوغى ليست "ساحة" بل هي "جدار"!

2 - توظيف هذا المقطع الحماسي في السينية باهر ومفاجيء:

فالشاعر يصف إيوان كسرى المتهدم المهجور، ثم يقف أمام جدارية تمثل معركة انطاكية، فينقل البحتري تفاصيلها مدمجا بذلك "الحماسة في الطللية"!!

3 - هي صورة عن صورة،ووصف لوصف،وقصيدة في لوحة ..

4 - هل كان البحتري يتذوق فن التصوير؟

أجل، فهذا المقطع يشهد على خبرة "عين" البحتري وتمرسها في التذوق الفني:

-عين الشاعر ابتدأت بالإحاطة باللوحة كلها في موضوعها العام:

"وَإِذا ما رَأَيتَ صورَةَ أَنطاكِيَّة

اِرتَعتَ بَينَ رومٍ وَفُرسِ"

ثم حدد الإحساس النفسي الذي تثيره اللوحة في مجملها .. وهو الاحساس بالعنف والموت:

"وَالمَنايا مَواثِلٌ .. "

-ثم تتجول العين بين تفاصيل اللوحة في "خطة جمالية" جديرة بكبار النقاد:

فهي تقف عند أبرز موضوع في اللوحة وهو صورة كسرى .. وتلتقطها عين البحتري في "حركة نازلة" مقسمة هذا الجزء من الصورة إلى ثلاثة أقسام:

الدرفس في الأعلى،

الفرَس في الأسفل،

وأنو شروان في الوسط ..

وتلتقط العين معها التباين اللوني:

"الأخضر" في ثياب كسرى و"الأصفر" في الفرس ..

" ................ وَأَنوشَروان

يُزجي الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفسِ

في اِخضِرارٍ مِنَ اللِباسِ عَلى

أَصفَرَ يَختالُ في صَبيغَةِ وَرسِ"

-بعد هذه الجولة العمودية لعين البحتري تشرع في جولة أفقية:

لقد تتبعت شخص كسرى من أعلى إلى أسفل .. وحان الوقت لاستكشاف اللوحة أفقيا،فتنتقل العين يمينا (أو يسارا)، فتكتشف الجنود متتبعة حركاتهم:

"وَعِراكُ الرِجالِ بَينَ يَدَيهِ"

(أفضل أن تكون كلمة" الرجال" من الترجل لا من الرجولة .. لأن الرسام يريد جعل كسرى بؤرة اللوحة فيجب أن يكون وحده الفارس، وغيره الراجلون)

اللوحة في هذا القسم مبنية على الثنائيات الحادة، ولا يمكن تصور حرب بدون حدة الثنائيات، [والطباق قد يأتي وجها بيانيا رغم أنف (بل منقار) ببغاوات البلاغة الذين حشروه في البديع إلى الأبد!]:

فجند كسرى في مقابل جند الروم،

المشيح/المليح،

المهاجم/المدافع،

الرمح/الترس .. ،

"مِن مُشيحٍ يَهوى بِعامِلِ رُمحٍ

وَمُليحٍ مِنَ السِنانِ بِتُرسِ"

بعد استظهار اللوحة كلها تعود العين إلى ذاتها ...

فننتقل من الصورة إلى الإحساس بالصورة، أو ...

يخفت الحس الفني ليترك المجال للحس المنطقي،أو ..

يخرج الشاعر من معايشة الصورة إلى مساءلتها:

"تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحياءٍ

لَهُم بَينَهُم إِشارَةُ خُرسِ

يَغتَلي فيهِم ارتيِابي حَتّى

تَتَقَرّاهُمُ يَدايَ بِلَمسِ"

الصورة واضحة للعين حتى تكاد تكون حقيقة "ملموسة" ....

ويشك الشاعر في بصره حتى إنه ليستعين بلمسه ..

ونحن بدورنا نشك:

من الرسام الحقيقي .. الرسام المجهول الذي رسم المعركة لكسرى في قصره (اندثر الرسم والقصر)، أم البحترى الذي نقل ذلك الرسم وخلده!

ـ[نحوية]ــــــــ[09 - 12 - 2009, 11:25 م]ـ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك فيكم -أخي -وبارك لكم-وعليكم- ... لقد أعجبتني هذه التحليلات الأدبية البلاغية؛فهي جدُّ-ثمينة ودقيقة وقد قرأتها بتمعن،واستفدتُ منها ولله الحمد

واستأذنكم .... في نقل شيئ من هذه التحليلات البليغة ... جعلها الله في ميزان

حسناتكم .... وأقول لكم: زكاة العلم نشره

زادكم الله حكمة وعلما ونورا

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[14 - 12 - 2009, 09:26 م]ـ

هذا مطلع المقصورة الشهيرة لأبي الطيب:

ألا كلّ ماشية الخيزلي ... فدى كلّ ماشية الهيدبي

(الخيزلي والخوزلي: مشية النساء، وهي مشية فيها تثنى وتفكك، والهيدبي: مشية الإبل فيها سرعة).

مطلع لا كالمطالع ... وأسلوب عجيب في ذكر النساء!

درج الشعراء في الطلليات على الحنين إلى" الثبات" والتألم من" الحركة":

-لو يثبت الطلل على حاله، فلا تنال منه عوادي الزمان .. !

-لو يثبت الزمن عند الماضي،فلا غد ولا بعد غد .. !

-لو يثبت الحبيب في الدار، فلا ظعن ولا رحلة .. !

-لو يثبت الشاعر،مع تلك الثوابت .. !!

الحركة رحلة،والرحلة فراق، والفراق موت ..

وقَدَر الشاعر أن يبحث عن العنصر الإنساني التائه أبدا في مساحات البيداء ..

أما أبو الطيب فيؤسس قيما مضادة:

-الثبات موت والحركة حياة ...

(يأتي من مغرب الشمس صدى ابن دراج القسطلي:

ألم تعلمي أن الثواء هو التوى ... وأن بيوت العاجزين قبور!)

... فتكون (الرِّجل) أهم عضو في الكائن ... وتكون (المشية) أهم وظيفة ...

ويكون تصنيف الكائنات بحسب مشيتها:

هذه مشية فيها تثنى وتفكك .... المرأة!

وهذه مشية فيها قوة وسرعة ... الناقة!

ضعف/ وقوة ...

تصنع/ وطبيعة ...

إغراء بالمقام/ وحث على الرحيل ..

خضوع للشهوة/ وركوب للمخاطر ...

كيفما قلبت الأمور لا ترقى الخيزلى إلى الهيدبا ..

والبقاء للمغامر الأقوى ..

فلتكن صاحبة المشية الأضعف قربانا لصاحبة المشية الأقوى ..

.. (نيتشوية قبل نيتشه!!)

أوَ يكون نوع الإنسان أخس من نوع البعير .. !

أبو الطيب نظره إلى المشية لا إلى الماشي ...

فاعذروا أبا الطيب!

ماشية الخيزلي تعد بالثبات والقناعة والاستسلام للشهوات .. فأين وعود المجد!!

هي في خف البعير ..

فاعذروا أبا الطيب مرة أخرى!!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015