ملتقي اهل اللغه (صفحة 2751)

(وجَعَلَ -سبحانه- على اللِّسان غلقَيْن: أحدهما الأسنان، والثَّاني الفم، وجَعَلَ حَرَكَتَه اختياريَّة، وجَعَلَ على العَيْنِ غِطاءً واحدًا، ولَمْ يَجْعَلْ على الأُذُنِ غطاءً؛ وذلك لِخَطَرِ اللِّسان، وشَرَفِهِ، وخَطَرِ حَرَكَاتِهِ، وكَوْنِهِ في الفم بمنزلةِ القَلْبِ في الصَّدر، وذلك مِنَ اللَّطائف؛ فإنَّ آفةَ الكلامِ أكثرُ مِنْ آفة النَّظَرِ، وآفة النَّظرِ أكثر مِنْ آفةِ السَّمع؛ فَجَعَلَ للأكثرِ آفاتٍ طَبَقَيْنِ، وللمُتوسِّط طَبَقًا، وجَعَلَ الأقلَّ آفة بلا طَبَقٍ) انتهى.

ـ[عائشة]ــــــــ[24 - 01 - 2010, 10:07 ص]ـ

إشارات

قال الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمه الله-:

(وعند أربابِ الإشاراتِ أنَّ بكاءَه إرهاص بين يدي ما يُلاقيه من الشَّدائدِ، والآلامِ، والمخاوفِ، وأنشدَ في ذلكَ:

ويبكي بها المولودُ حَتَّى كأنَّه * بِكُلِّ الَّذي يَلْقاهُ فيها يُهَدَّدُ

وإلاَّ فما يُبْكيهِ فيها وإنَّها * لأَوْسَعُ مِمَّا كانَ فيه وأرْغَدُ؟

ولهم نظير هذه الإشارة في قبضِ كفِّهِ عند خروجِه إلَى الدُّنيا، وفي فَتْحِها عند خُروجِه مِنها، وهو الإشارةُ إلى أنَّه خَرَجَ إليها مُرَكَّبًا علَى الحِرْصِ، والطَّمَعِ، وفارقَها صِفْرَ اليَدَيْنِ مِنْها، وأنشد في ذلك:

وفي قَبْضِ كَفِّ المَرْءِ عندَ [وِلادِهِ] * دليلٌ علَى الحِرْصِ الَّذي هُوَ مَالِكُهْ

وفي فَتْحِها عندَ المَمَاتِ إشارَةٌ * إلَى فُرْقَةِ المالِ الَّذي هُوَ تارِكُهْ

ولَهُمْ نظير هذه الإشارة في بكاءِ الطِّفْلِ، وضَحِكِ مَنْ حَوْلَهُ: أنَّ الأَمْرَ سيُبَدَّلُ، ويصيرُ إلَى ما يُبْكِي مَنْ حَوْلِهِ عِندَ مَوْتِهِ، كما ضَحِكوا عِند وِلادته، وأنشد في ذلك:

وَلَدَتْكَ إذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ بَاكِيًا * والنَّاسُ حَوْلَكَ يَضْحَكُونَ سُرورَا

فَاعْمَل لَّعَلَّكَ أَن تَكونَ إذَا بَكَوْا * في يَوْمِ مَوْتِكَ ضَاحِكًا مَّسْرُورَا

ونظيرُ هذه الإشارة -أيضًا- قولهم: إنَّ المولودَ حين ينفصلُ يَمُدُّ يَدَهُ إلَى فِيهِ؛ إشارةً إلى تعجيلِ [نُزُلِهِ] عندَ القُدُومِ عليه بأنَّه ضيفٌ [ومِن تمامِ إكرامِه: تعجيلُ قِراهِ]؛ فأشار بلسانِ الحالِ إلى تَرْكِ التَّأخيرِ. ورُبَّما مَصَّ أصبعَه؛ إشارةً إلى نهايةِ فَقْرِهِ، وأنَّه بَلَغَ منه إلى مَصِّ الأصابعِ، ومنه قَوْلُ النَّاسِ لِمَن بَلَغَ به الفَقْرُ غايتَه: [هُوَ] يَمَصُّ أصابعَه، وأنشد في ذلك:

ويَهْوِي إلَى فيهِ يَمَصُّ بَنَانَهُ * يُطالِبُ بالتَّعجيلِ خَوْفَ التَّشاغُلِ

ويُعْلِمُهُمْ أنِّي فَقيرٌ ولَيْسَ لِي * مِنَ القُوتِ شَيْءٌ غَيْرَ مَصِّ الأَنامِلِ

...

ونظير هذه الإشارة أنَّه يَضْحَكُ بعد الأَرْبَعينَ، وذلك عندما يتعقَّل نفسَه النَّاطقةَ ويُدْرِكُها، وفي ذلك قِصاصٌ من البكاءِ الَّذي أصابه عند وِلادته. وتأخَّر بعده؛ لكي يتأسَّى العَبْدُ إذا أصابَتْهُ شِدَّة؛ فالفرج يأتي في أثرها:

ويَضْحَكُ بَعْدَ الأَرْبَعينَ إشارَةً * إلَى فَرَجٍ وَّافاهُ بَعْدَ الشَّدائِدِ

يقولُ: هِيَ الدُّنيا فتُبْكيكَ مَرَّةً * وتَضَحْكُ أُخْرَى فاصْطَبِرْ للعَوَائِدِ

قالوا: ويرى الأماني بعد ستِّين يومًا من ولادتِه؛ ولكنَّه ينساها لضعف القُوَّةِ الحافظةِ، وكثرة الرُّطوبات، وفي ذلك لُطْفٌ به -أيضًا-؛ لضعف قلبِه عن التفكُّر فيما يَراهُ:

ويرَى بعَيْنِ القَلْبِ إذ يأتي لَهُ * ستُّون يومًا رؤيةَ الأَحْلامِ

لكنَّه ينساهُ بَعْدُ لضَعْفِهِ * عن ضَبْطِهِ في يَقْظَةٍ وَّمَنَامِ) انتهى.

ـ[عائشة]ــــــــ[25 - 01 - 2010, 06:06 ص]ـ

القلب والفؤاد

قال الإمامُ ابنُ القيِّمِ -رحمه الله-:

(والفؤادُ -عند أهلِ اللُّغة- هو: القَلْبُ؛ قال الجوهريُّ: الفؤادُ: القلبُ، وقال الأصمعيُّ: وفي الجوفِ الفؤادُ؛ وهو: القَلْبُ.

وقد فرَّقَ بعضُ أهل اللُّغة بين القَلْبِ والفُؤادِ؛ فقال اللَّيثُ: القلبُ مُضْغَةٌ من الفؤادِ، مُعلَّقةٌ بالنِّياطِ، وقالت طائفةٌ: [مستدِق] القلب.

وقال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (جاءكم أهلُ اليَمَنِ، [هُمْ] أرقُّ قلوبًا، وألينُ أفئدةً)؛ ففَرَّقَ بينَهما، ووَصَفَ القَلْبَ بالرِّقَّةِ، والأفئدةَ باللِّينِ.

وأمَّا كونُ فم المعدةِ هو الفؤاد؛ فهذا لا نعلم أحدًا من أهلِ اللُّغةِ قالَهُ.

وتأمَّلْ وصفَ النَّبيِّ القَلْبَ بالرِّقَّةِ؛ الَّتي هي ضدّ القساوةِ والغلظةِ، والفؤادَ باللِّينِ؛ الَّذي هو ضدّ اليبس والقَسْوة، فإذا اجتمع لينُ الفؤادِ إلى رقَّة القلبِ؛ حَصَلَ من ذلك الرَّحمةُ، والشَّفَقةُ، والإحسانُ، ومعرفةُ الحقِّ، وقبولُه؛ فإن اللِّينَ موجبٌ للقَبولِ والفَهْم، والرِّقَّة تقتضي الرَّحمةَ والشَّفَقةَ، وهذا هو العلمُ والرَّحمةُ، وبهما كمالُ الإنسانِ، وربُّنا وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رحمةً وعِلْمًا) انتهى.

ـ[عائشة]ــــــــ[25 - 01 - 2010, 06:27 ص]ـ

السِّرُّ في تكرارِ التَّقديرِ دونَ التَّفكيرِ، وذمِّه دونَهُ

قال الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمه الله-:

(قال تعالى عن الوحيد: ((ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا - وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُودًا - وبَنينَ شُهودًا - وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهيدًا - ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ - كَلاَّ إنَّهُ كَانَ لآياتِنَا عَنيدًا - سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا - إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ - فقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ)).

فكرَّرَ -سبحانه- التَّقديرَ دون التَّفكير، وذمَّه عليه دونَهُ ...

فإنَّه بالفِكْرِ طالبٌ لاستخراجِ المجهولِ، وذلك غيرُ مذمومٍ، فلمَّا استخرجَه؛ قَدَّر له تقديرينِ: تقديرًا كُليًّا، وتقديرًا جزئيًّا؛ فالتَّقديرُ الكُلِّيّ: أنَّ السَّاحِرَ هو الَّذي يُفرِّق بين المَرْءِ وزَوْجِه، والتَّقدير الجُزئيّ: أنَّ الَّذي يُفَرِّق بين المرءِ وزَوْجِهِ مَذمومٌ؛ فههنا تقديرٌ بعد تقديرٌ؛ فلهذا كَرَّره -سبحانه-، وذمَّه عليهِ. وأمَّا التفكير؛ فإنَّ [المفكِّر] طالبٌ لمعرفةِ الشَّيءِ؛ فلا يُذَمُّ، بخلاف من قَدَّر بعد تفكيرِه ما يوصلُه إلى تحقيقِ الباطلِ، وإبطالِ الحقِّ؛ فتأمَّلْهُ) انتهى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015